AP Photo/Thibault Camus
طلاب يشاركون في مسيرة احتجاجية ضد نقص الموارد في المدارس في باريس، 17 أكتوبر 2026

الواجهة المكسورة و"إعانة أمّك".. قراءة نسوية في الغضب الفرنسي

منشور الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026

صباح الأحد، بعد أسبوع توزّع فيه وقتي بين العمل والكتابة والبيت، وعقب أحداث السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول، يوم خرج التلاميذ والنقابيون والسترات الصفراء والمزارعون إلى شوارع فرنسا، في تعبئةٍ واسعة رافقتها مخاوف من الانفلات وأعمال التخريب، ظهرت على شاشة هاتفي صورة لافتة معلّقة على واجهة محلّ تجاري كُتب عليها: "أرجوك لا تكسر واجهاتي الأخرى، أحتاجها لأدفع منحة الإعانة الاجتماعية التي تتقاضاها أمّك". 

أدركتُ حينها أنّ الجملة تعنيني أنا ومن يشبهنني من النساء؛ الأمّ المهاجرة المقيمة في باريس، وكلّ امرأة يكفي أن يشي اسمها أو لون بشرتها أو عنوان سكنها بانتمائها إلى "الآخر"، حتّى يُعاد تعريفها في المخيّلة العامّة عبئًا على المجموعة، ويُختزل حضورها في المجتمع إلى تكلفة تُحصى وتُستكثر.

تكشف هذه اللافتة، التي حصدت مئات الآلاف من الإعجابات، عن آلية إزاحة دقيقة للإدانة، إذ يغيب المُخرِّب عن الخطاب كليًّا لتنتقل الإهانة إلى جسد امرأة غائبة عن المشهد، لم تكسر شيئًا، تُختزَل في وضعية المتلقية للحدّ الأدنى من الدخل الاجتماعي وتُدان بحكم موقعها الطبقي والعرقي والجندري معًا. وهو ما يندرج ضمن ما سمّاه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو العنف الرمزي؛ ذلك العنف الذي يمرّ بسلاسة لأنّه يُستبطَن كبديهية مشتركة، ويجد في الفكاهة قناتَه الأكثر فاعلية، بما أنّ الضحك يُعطّل المساءلة ويمنح الاحتقار شرعية "الحسّ السليم".

من ملكة الإعانات إلى أمّ الضواحي

تستعيد اللافتة، في نسخة فرنسية مُحدَّثة، ما سمّته المنظّرة النسوية السوداء باتريشيا هيل كولينز "الصور الضابطة"، أي تلك التمثيلات النمطية التي تُنتجها الثقافة المهيمنة لتبرير إخضاع النساء المُعرقنات وتطبيع فقرهنّ. وفي مقدّمتها صورة ملكة الإعانات التي حلّلت الأكاديمية المتخصصة في دراسات النوع آنج-ماري هانكوك تشكّلها في الخطاب السياسي الأمريكي بوصفها "سياسة للاشمئزاز" تُحوِّل الأمّ الفقيرة إلى رمز للتواكل والانحلال الأخلاقي، الأمر الذي يُسهّل تقليص الحماية الاجتماعية باسم المسؤولية الفردية.

تتشكّل شخصية "أمّ الضواحي" الفرنسية عند تقاطع ثلاثة أنظمة للهيمنة. أوّلها العرق، إذ يُفترَض ضمنيًّا أنّها مهاجرة أو منحدرة من الهجرة، وثانيها الطبقة، إذ تُعرَّف بوضعيّتها مستفيدةً من المساعدات، وثالثها الجندر، إذ تُحمَّل وحدها عبء التربية في سرديّة يختفي منها الأب تمامًا.

وبوصفي أمًّا لولدين تعمل خارج البيت، أعرف عن كثب ما تمحوه هذه الصورة من عمل رعائي يقع على كاهل النساء بحكم التقسيم الجندري للعمل؛ الاستيقاظ قبل الجميع، وحسابات الحضانة، ومواعيد المدرسة، والعبء الذهني المتواصل لتنظيم حياة الأسرة، والعمل اللامرئي الذي تؤدّيه النساء يوميًّا كي يظلّ البيت متماسكًا. وهو عمل تحمله أمّهات الأحياء الشعبية في ظروف أشدّ قسوة بكثير ممّا أعيشه: أجور أدنى، وساعات عمل أطول، ومساكن أضيق، ونظرة اجتماعية تحاسبهنّ على "تقصير" الأمومة ولا تعترف لهنّ بشيء ممّا يبذلنه.

إعادة المسؤولية السياسية إلى البيت

يتغذّى هذا التمثيل من خطاب رسمي سابق له. ففي الثلاثين من يونيو/حزيران 2023؛ في خضمّ الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الفتى نائل على يد شرطي في نانتير، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون الأهل إلى تحمّل مسؤوليّتهم، معتبرًا أنّ واجبهم إبقاء أبنائهم في المنازل. ثمّ طرحت السلطة التنفيذية فكرة معاقبة العائلات ماليًّا، وهي فكرة متكرّرة في خطاب اليمين سبق أن تُرجمت سنة 2010 في قانون يعلّق المنح العائلية لأهالي التلاميذ المتغيّبين عن المدرسة. ووجّه وزير العدل آنذاك منشورًا إلى النيابات، ومطويّة تذكّر الأهل بأنّهم سيُلزَمون بدفع تعويضات ما يتلفه أبناؤهم.

يترجم هذا الخطاب تحويلًا ممنهجًا للأزمة من مستواها البنيوي، أي العنف البوليسي والفصل المجالي وانسداد آفاق الحراك الاجتماعي، إلى مستوى الخلل الأسري، لتصير الأمّ المتّهمة الأولى. وتكشف اللافتة اليوم المفارقة بحدّة أكبر، فالتعبئة التي شهدتها فرنسا يوم 17 أكتوبر جمعت فئات اجتماعية متباينة من الطلبة إلى المزارعين، غير أنّ المخيّلة المهيمنة اختارت، لحظة البحث عن مذنب، وجهًا واحدًا للفوضى: الشاب المُعرقن ابن الأمّ المستفيدة من الإعانات. وبذلك تصير الفكاهة امتدادًا للسلطة الحيوية التي تُدير أجساد الفقراء وتضبط أمومتهم.

يحمل التاريخ نفسه ثقلًا خاصًّا في باريس، إذ تحلّ هذه السنة الذكرى الخامسة والستّون لـمجزرة 17 أكتوبر 1961. في تلك الليلة قمعت شرطة العاصمة، بإشراف محافظها موريس بابون، تظاهرة سلمية للجزائريين الرافضين لحظر التجوّل المفروض عليهم حصرًا، وألقت بعضهم في نهر السين، في حدث ظلّ مطمورًا في الذاكرة الرسمية الفرنسية عقودًا طويلة.

لا يمكنني، كامرأة مغاربية تعيش في هذه المدينة، أن أقرأ جملة "إعانة أمّك" في هذا اليوم تحديدًا دون أن أستحضر الأمّهات اللواتي انتظرن ذات ليلة أبناءً وأزواجًا لم يعودوا، واللواتي ورّثن أبناءهنّ ذاكرة المهانة في أحياء الضواحي التي بُنيت لاحقًا لإسكان العمالة المهاجرة.

في تتبّعها للجذور الجنسية والاستعمارية للأمّة الفرنسية، كشفت الفيلسوفة إلسا دورلان، في كتابها مصفوفة العرق، كيف تشكّل مفهوم الأمومة "السليمة" في مقابل جسد المرأة المستعمَرة الموصوم بالانحراف والنقص. ووثّقت الباحثة النسوية فرانسواز فيرجيس، في كتابها بطن النساء، عمليات الإجهاض والتعقيم القسرية التي أُخضعت لها آلاف النساء في جزيرة لاريونيون خلال الستينيّات والسبعينيّات، في الوقت الذي كانت فيه الدولة تشجّع الإنجاب في البرّ الأوروبي. 

يمتدّ هذا المنطق اليوم إلى نساء الهجرة العربية، تونسيات ومغربيات وجزائريات ومصريات ولبنانيات وسوريات وعراقيات وغيرهن، اللواتي يعشن ما سمّاه عالم الاجتماع الجزائري الفرنسي عبد المالك صيّاد الغياب المزدوج: غائبات عن بلد الأصل، وغير مرئيات في بلد الإقامة إلّا حين تحتاج المخيّلة العامّة إلى مذنب.

أمّهات الأحياء المنسيات

يكشف صمت جزء واسع من النسوية الفرنسية المهيمنة إزاء هذا الوصم عن انتقائية شخّصتها عالمة الاجتماع والأنثروبولوجيا نصيرة قنيف-سويلاماس وعالم الاجتماع إريك ماسيه في كتابهما النسويات والشاب العربي. فقد بيّنا كيف انشغل هذا التيار بتصوير الشاب العربي كمعتدٍ بالفطرة، والنساء المسلمات كضحايا ينبغي إنقاذهنّ، مغفلًا العنف البنيوي الذي يطال هؤلاء النساء من الدولة والمجتمع المضيف معًا.

غير أنّ النقد يطالني أنا أيضًا. فأوّل ردّ فعل راودني أمام اللافتة كان رغبة خاطفة في التبرّؤ: أنا مهندسة، أعمل، وأدفع ضرائبي. ولم أنتبه إلّا بعد لحظة إلى أنّ هذه الجملة الدفاعية تقبل ضمنيًّا شروط اللافتة نفسها، إذ تسلّم بأنّ قيمة المرأة المُعرقنة تُقاس بإنتاجيتها الاقتصادية، وبأنّ الاحترام امتياز يُنتزع بالشهادة والراتب لا حقّ يُكتسب بالانتماء إلى الإنسانية المشتركة. 

وهو ما وصفته المؤرّخة إيفلين بروكس بـسياسة الاحترام؛ تلك الاستراتيجية التي تلجأ إليها الفئات الموصومة حين تحاول الإفلات من الاحتقار بإثبات مطابقتها لمعايير الطبقة المهيمنة، فتُرسّخ من حيث لا تدري الحدّ الفاصل بين "الجديرين" و"غير الجديرين" داخل الجماعة الواحدة.

تنقسم الأمّهات بهذا المنطق إلى صنفين: أمّهات "صالحات" يُستثنين من الوصم لأنّهنّ منتجات ومندمجات ومرئيات في المكاتب والجامعات، وأخريات يُباح احتقارهنّ لأنّ فقرهنّ يُقرأ دليلًا على فشل أخلاقي وتربوي. أمّا العمل الرعائي الذي تؤدّيه الفئتان معًا، فيظلّ بلا قيمة في الحالتين.

قد تمنحني شهاداتي ومهنتي امتيازًا نسبيًّا يحميني جزئيًّا من الوصم، غير أنّه امتياز هشّ ومشروط يسقط في اللحظة التي يغيب فيها السياق المهني الذي يمنحه معناه. فقد وصف الطبيب النفسي والفيلسوف الفرنسي فرانز فانون كيف تُثبّت النظرة العنصرية الجسد المُلون في صورته قبل أن يتكلّم، وكيف تسبق البشرةُ السيرةَ وتلغيها. 

والعين التي قرأت "إعانة أمّك" وضحكت لن تتوقّف عند سيرتي المهنية حين تراني أعبر الشارع مع ولديّ، ولن تطّلع على شهاداتي حين تسمعني أنادي أحدهما باسمه العربي. يفرض عليّ هذا الإدراك ألّا أشتري خلاصي الفردي على حساب نساء يشبهنني، لأنّ كلّ استثناء أطالب به لنفسي يمنح القاعدة شرعية إضافية، ولأنّ التضامن النسوي الذي يستحقّ اسمه يبدأ من الاعتراف بأنّ الوصم الذي يطال أفقرنا يطالنا جميعًا، وإن بدرجات متفاوتة.

يبقى غضب التاجر الذي فقد واجهة محلّه مشروعًا، فالمتجر الصغير يتحمّل تكلفة أزمة لم يصنعها. غير أنّ هذا الغضب الذي وجد هدفه بهذه السهولة في الحلقة الأضعف يطرح سؤالًا يتجاوز اللافتة وصاحبها: كيف يتحوّل الاحتقار الطبقي والجندري والعرقي، عبر النكتة، إلى إجماع مريح يُعفي الدولة والمجتمع من مساءلة الشروط التي تُنتج الانفجار، ويعيد كتابة كلّ أزمة سياسية على أجساد نساء لم يكنّ يومًا طرفًا فيها؟ 

ربما يبدأ الجواب حين نكفّ نحن، النساء اللواتي يملكن منابر للكلام، عن الدفاع عن أنفسنا فرادى، ونحوّل هذه المنابر إلى مساحات يُسمع فيها صوت الأمّهات اللواتي يُتحدّث عنهنّ دائمًا ولا يُستمع إليهنّ أبدًا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.