بلطجية ومجرمو حرب على منبر الأمم المتحدة
عملت مراسلًا صحفيًا في مقر الأمم المتحدة بنيويورك خمسَ سنين. كان الاجتماع السنوي للجمعية العامة الحدث الأهم للصحفيين في المنظمة الدولية التي تضم الآن 193 دولة.
عن كثبٍ يتابع المراقبون خطابات قادة الدول على المنبر الشهير، بالأخص في اليوم الأول عندما يتحدث رئيس الولايات المتحدة الدولة المضيفة، كما يراجعون قائمةَ الحضور من رؤساء وزعماء الدول الأخرى التي تخوض حروبًا أو نزاعات تسبب أزمات عالمية.
إلى جانب الخطابات التي تبدو مملةً ومكررةً، تحدُث مفارقات نادرة على منبر الجمعية العامة يسجلها التاريخ مثل ضرب رئيس الاتحاد السوفيتي السابق نيكيتا خروتشوف الطاولة بحذائه عام 1960 ردًا على تهديدات الإمبريالية الأمريكية.
كما تابعتُ خطاب رئيس فنزويلا الثوري الراحل هوجو شافيز عام 2006 وهو يقول إنه لا يزال يشتم رائحة الشيطان بعد إلقاء الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش خطابه من على المنبر نفسه بعد سنوات من غزو العراق واحتلاله.
كذلك تابعت ملك الاستعراضات، معمر القذافي، عام 2009 وهو يمزق ميثاق الأمم المتحدة ويلقيه خلف ظهره ليضرب وجه رئيس الجمعية العامة الذي تصادف أنه وزير خارجية سابق في ليبيا، تعبيرًا عن غضبه من فشل الأمم المتحدة في تحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين والمعايير المزدوجة لدول الغرب.
كرنفال دبلوماسي
إلى جانب أن الاجتماع بمثابة الأوسكار السنوي لقادة العالم، تكمن أهميته الأكبر في المحادثات الجانبية التي تعقد في قاعات الأمم المتحدة المتعددة بين ممثلي الدول المختلفة، التي قد تؤدي لحل النزاعات القائمة أو تهدئة التوتر في مناطق مشتعلة. كما تمثل فرصة لوسائل الإعلام لإجراء مقابلات مع زعماء العالم ومواجهتهم بالقضايا التي تشغل بال العالم أو الأوضاع الداخلية في بلدانهم.
ونظرًا لوجود رئيس تخوض بلاده حربًا ضد الولايات المتحدة على الأراضي الأمريكية، تعلقت الأنظار بإمكانية التقاء ترامب بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان، في ظل الحرب المتواصلة بين البلدين منذ سبعة أشهر.
بالطبع لم يحدث هذا اللقاء، لأن ترامب في نظر القادة الإيرانيين متورطٌ في اغتيال المرشد الأعلى السابق على خامنئي، ولم تتحقق رغبة الرئيس الأمريكي الذي يعشق الفرقعات التي تجعله محط اهتمام وسائل الإعلام.
بموجب المعاهدة المنظمة لوجود الأمم المتحدة في نيويورك، تلتزمُ الولايات المتحدة بالسماح لممثلي دول العالم بحضور الاجتماع السنوي للجمعية العامة بغض النظر عن مواقفها من السياسات الأمريكية. لكن واشنطن تحايلت على هذه الاتفاقية مرارًا، وسبق لها منع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من دخول الأراضي الأمريكية بحجة أن فلسطين ليست دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، بجانب اعتباره ممثلًا لمنظمة إرهابية.
تغيرت هذه السياسة بعد توقيع منظمة التحرير على اتفاقية أوسلو مع إسرائيل في عام 1993، حتى عاد ترامب لمنع رئيس فلسطين محمود عباس من الحضور إلى نيويورك على مدى العامين الماضيين بحجج واهية منها أنه لم يلتزم بالقيام بالإصلاحات المطلوبة للسلطة الفلسطينية.
أما فيما يخص الوفود الإيرانية، فقد سمحت الحكومة الأمريكية بحضورها، إلا أنها تضع قيودًا مشددةً على تحركات المشاركين الإيرانيين على مدى السنوات الماضية، بحيث لا يتجاوزون دائرة قطرها عدة كيلومترات بعيدًا عن مقر الأمم المتحدة الواقع في أحد أطراف جزيرة مانهاتن.
إلى جانب الدول التي يحرص قادتها على الحضور بشكل منتظم للاجتماع السنوي للجمعية العامة وإلقاء خطابات بلادهم، يوجد زعماء دول أخرى نادرًا ما يشاركون إما خشية التعرض لملاحقة وسائل الإعلام والأضواء، أو لعدم الإيمان بأهمية وفاعلية المنظمة كما هو حال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو الزعماء الصينيين.
جديدٌ كالقديم
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في العالم، تعلقت آمال وتطلعات كبيرة على أن تلعب الأمم المتحدة الدور الأبرز في حل النزاعات الدولية عبر التوافق بين دول العالم، كما أُقر مبدأ التدخل الإنساني في الدول التي تشهد نزاعات وحروبًا وكوارث مثل صربيا في تسعينيات القرن الماضي أو في الحرب الأهلية التي شهدت مقتل مئات الألوف في رواندا.
لكن هذه الآمال سرعان ما انهارت بعد إصرار الولايات المتحدة على لعب دور حاكم العالم في أعقاب غزو واحتلال العراق عام 2003، وأصبحت المنظمة الدولية عمليًا عديمة الفاعلية بسبب صعوبة الاتفاق بين الدول الكبرى، صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن.
الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا كانت تقف في جانب، بينما تقف روسيا والصين في الجانب الآخر، وجميعها يمارس حق النقض/الفيتو لمنع صدور قرارات لا ترضى عنها عواصمهم لأنها تمسهم مباشرة أو تتعلق بحلفاء لهم كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، أو روسيا وكوريا الشمالية، والصين وتايوان.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، قبل عامين، ازدادت السهام الموجهة، وتصاعدت هجمات اليمين الأمريكي على المنظمة الدولية التي يعتبرونها قيدًا على حرية الولايات المتحدة في شن الحروب الخارجية، وكان هناك قلق بين موظفي الأمم المتحدة هذا العام من أن يعاود الرئيس الأمريكي هجومه الشرس الذي بدأه العام الماضي باتهام المنظمة بالفشل في كل شيء، بما في ذلك إصلاح السلم الكهربائي الذي تعطل لدى دخوله المبنى وكذلك جهاز الأوتو كيو الذي يقرأ القادة خطاباتهم من خلاله أمام منبر الأمم المتحدة.
المجرمان
رغم أن خطاب ترامب هذا العام استغرق نصف ساعة فقط، فإنه غير مسبوق بكل تأكيد من ناحية التفاخر بكم هائل من الجرائم ارتكبتها إدارته دون خجل أو خشية قانون دولي.
بدأ ترامب يتحدث وكأنه بلطجي العالم؛ نعم قمت بشن هجوم على إيران وقتلت مرشدها السابق، وقد أعود لضربها مجددًا وربما محوها من الوجود. نعم قمت بغزو فنزويلا والدخول إلى قلب العاصمة واختطاف رئيسها وزوجته والعودة بهما إلى نيويورك لمواجهة المحاكمة وفقًا للقوانين الأمريكية.
نعم أقصف قوارب الصيد التي تنطلق من دول أمريكا اللاتينية وأقتل من على متنها من دون تحقيق أو محاكمة وذلك لقيامها بتهريب المخدرات إلى أمريكا. نعم أسعى إلى خنق وقتل المحكمة الجنائية الدولية التي تجرأت وطالبت بالتحقيق في جرائم حرب قد يكون ارتكبها جنود أمريكيون في العراق وأفغانستان، والأخطر أنها تجرأت وأصدرت قرارًا باعتقال حليفه الأقرب والموثوق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهمة تورطه ووزير دفاعه السابق في ارتكاب جرائم حرب بحق الفلسطينيين في غزة على مدى السنوات الثلاث الماضية.
كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2026
بدروه، لم يقصر مجرم الحرب نتنياهو في استعراض جرائمه بفخرٍ من على منبر الأمم المتحدة كما اعتاد كل عام، مع اتهام كل من يطالب إسرائيل بالتزام القانون الدولي ووقف الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين بمعاداة السامية وكراهية اليهود.
ورغم التبجح المعروف لنتنياهو ورفعه نموذج جهاز البيجر الذي استخدمته المخابرات الإسرائيلية لقتل وإصابة الآلاف من أنصار حزب الله نهاية عام 2024 للتذكرة بما حققه من إنجازات، فإن عصبيته كانت واضحة بعد انسحاب ممثلي نحو 75 دولة من القاعة احتجاجًا على ما ارتكبه من جرائم حرب.
كما لم تطل إقامته واضطر للمغادرة سريعًا من مدينة كان يظن أنه يمتلكها لما لليهود الأمريكيين من نفوذ واسع فيها، لدرجة تسميتها "جو يورك" بدلًا من "نيويورك" بعد أن تمكن الأمريكي المسلم الشاب زهران ممداني من تحدي كل الصعاب والفوز بمنصب عمدة المدينة وقوله إنه كان يود اعتقال نتنياهو بصفته مجرم حرب لو امتلك السلطة لذلك.
لم تعد الأمم المتحدة فاعلةً بكل تأكيد، لكن لم يتوقع أحدٌ أن تتحول في يوم ما إلى منبر لاستعراض البلطجة الأمريكية والفخر بها، ويقف عليه مرتكبو جرائم الحرب والإبادة الجماعية كي يفخروا بجرائمهم دون خشية من عقاب أو حساب.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.