ضلمة ع الكل.. ضريبة العتمة يتحملها الجميع
الساعة التاسعة والربع بتوقيت ميدان الشهيد عبد المنعم رياض، نستعد أنا وصديقتي مريم لتناول علبتي كشري حصلنا عليهما قبل أن يغلق أبو طارق بثوانٍ معدودةٍ بعد أن قطعنا سويًا شارع شامبليون عدوًا كالمجانين.
نجلس أسفل تمثال الشهيد ونستعد لإضافة الصلصة على العلبة، وبينما تسعد مريم لتجربتها الأولى لكشري أبو طارق، يقاطعنا أمين شرطة بصوت أجشّ "امشوا من هنا يلا، الحظر اشتغل"، عارضته بهدوءٍ، موضحًا أن القرار هو ترشيد استهلاك للمحال وليس حظر تجوال.
رفض الأمين النقاش ورفضت أنا التزحزح من مكاني، أخبرني أن الأوامر لا يجب أن تُكسر لأرد "الكشري كذلك لا يجب أن يبرد". بعد جدال لم يدم كثيرًا، رفض الأمين متابعة النقاش وأشار لي بالتوجه للضابط المتمركز على ناصية شارع محمود بسيوني.
كان الضابط ألطف في النبرة لكنه تمسك بنفس الجملة "حظر التجوال"، بعد جدال طويل عرضت عليه نص قرار الغلق، فقال إنه يمكننا الجلوس لكن بعيدًا عن التمثال لدواعٍ أمنية، وعرض أن نجلس ونتناول وجبتنا بجواره و"الحاجة الساقعة عليه".
لم ترتح مريم لاقتراح الضابط فأخذنا الكشري وتناولناه في عجالة على مقربة من تمثال الشهيد لكي نتمكن من اللحاق بمواصلات الشيخ زايد قبل أن تختفي بسبب "حظر التجوال"؛ على حد وصف الضابط.
بدءًا من السبت 28 مارس/آذار بدأت الحكومة في تطبيق قرارها غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم اعتبارًا من التاسعة مساء ضمن خطة للحد من استهلاك الكهرباء، لمواجهة الارتفاع القياسي في أسعار الطاقة عالميًا، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز الـ100 دولار للبرميل متأثرًا بتوترات الحرب، ثم زحزحت مواعيد الإغلاق لتصبح في الحادية عشر مساء حتى نهاية أبريل/نيسان الحالي.
يتضمن القرار الحكومي بنودًا لتوفير الطاقة، من بينها خفض إنارة أعمدة الشوارع، وغلق إنارة اللوحات الإعلانية، إلى جانب إغلاق المحال العامة والمولات والمطاعم والكافيهات والبازارات يوميًا، واستُثنيت محال البقالة والسوبرماركت والمخابز والصيدليات، كما استُثنيت الأنشطة المرخصة سياحيًا داخل الفنادق والمواني ومحطات القطارات.
إغلاق أبواب الرزق
وضع عم مصطفى آخر "واحد شاي" على المنضدة قبل أن ينبه الزبون لضرورة الانتهاء منه سريعًا قبل أن تغلق القهوة أبوابها التزامًا بقرارات ترشيد الاستهلاك التي يعتبرها "خراب بيوت".
وفقًا لعم مصطفى، الذي يبلغ من العمر 51 عامًا، ويعمل بمقهى بمنطقة مصر الجديدة، فإن "رزق القهوة الحقيقي يبدأ مع الليل، بعد انكسار الحر، وعودة الموظفين".
على بعد مئات الأمتار، تحديدًا في عين شمس، نَقِف أمام شهادة مشابهة لأثر قرارات الغلق على المواطنين لكن من اقتصاد أقل ثباتًا وأكثر التصاقًا بالأرض.
يتحدث الشاب هيثم محمد، 32 عامًا، صاحب فرشة ملابس، بلغة البائع الذي يعرف بدقةٍ متى يتأهب حين يمر الزبون ومتى يستريح ليتناول الغداء عندما تهدأ أرجل المارة؛ "إحنا بنفضل شغالين طول النهار والشغل خفيف، لكن الضغط بيبدأ من الساعة 8 بالليل لحد الساعة 2 صباحًا".
يبيع هيثم قطعة أو قطعتين قبل أن يحين موعد "حظر التجول" كما يقول؛ "بعد ما كنت ببيع عشر حتت. قرار الحكومة على دماغنا، هناكل منين؟".
ما يرويه عم مصطفى والشاب هيثم ليسا مجرد انطباعين منفصلين إنما يعبران عن وقع ما فعلته قرارات الترشيد في مئات الآلاف من الذين يعملون في القطاع غير الرسمي الذي يشكل 53% من المنشآت التي شملها آخر تعداد اقتصادي، وتغلب عليه الوحدات متناهية الصغر ذات القدرة المحدودة على امتصاص الصدمات.
وبينما بلغ معدل البطالة السنوي 6.6% في 2024، ووصلت بطالة الشباب بين 15 و29 عامًا إلى 14.9%، وارتفعت داخل هذه الفئة إلى 37.1% بين الشابات، يلجأ قطاعٌ عريضٌ من مختلف الطبقات للاحتماء بساعات الليل كهامش أمان أخير يقيهم السقوط في شرك الحاجة.
ضَلْمَة على الكل
لم يقف قرار الإغلاق عند المحال وحدها، وطال الأندية ومراكز الشباب والمنشآت الرياضية، وهو ما يترك أثرًا سلبيًّا على حياة معاذ الكومي، 21 سنة، الطالب بكلية التجارة بإحدى الجامعات الخاصة، حيث لم يعد يجد ملعب كرة قدم يمارس فيه رياضته المفضلة.
بالنسبة إلى معاذ الكرة ليست مجرد لعبة، إنما هي أقرب لملاذٍ يبعد به نفسه عن مسارات "آخرتها وحشة"، على حد قوله لـ المنصة.
أما النساء فلا يعانين فقط مثل غيرهن من تعبات قرار الغلق الاقتصادية أو الترفيهية، لكنهن أصبحن أكثر عرضة للتحرش والاعتداء والخوف مع اضطرارهن للسير في شوارع معتمة خالية من المارة ودون إنارة؛ وفاء عبد الله، الطالبة الجامعية البالغة من العمر 23 عامًا، التي تقسّم يومها بين العمل صباحًا ومشروع التخرج مساءً، باتت مضطرة بعد غلق مساحات العمل المشتركة مبكرًا للاجتماع هي وزملاؤها في بيت أحدهم، ليكون عليها العودة إلى منزلها وقد أطفئت أعمدة الإنارة وأُغلقت المحلات، مع ما يتركه ذلك من فراغ ووحشة في الشوارع، بالذات الجانبية منها.
في إحدى رحلات العودة، مر موتوسيكل إلى جوار وفاء. أبطأ، نزل شاب اقترب منها وتحرش بها، قبل أن ينقذها صراخها وخروج بعض السكان من الشرفات. حين روت ما حدث لدوائرها القريبة، اكتشفت أن كثيرات يملكن حكايات مشابهة، وإن كانت أقل عنفًا، كما تقول لـ المنصة.
تخلص دراسة أعدتها UN Women عن التنقل في القاهرة الكبرى إلى حقيقة أن النساء لا يعشن في المدينة بالطريقة نفسها التي يعيش بها الرجال، وأن الشعور بالأمان في الحركة واستخدام الفضاء العام جزء أساسي من عدالة المدينة نفسها.
القاهرة وليلها
فيما تعتم أغلب الميادين والمناطق التي تكتظ بالأسواق، يشع الضوء كاملًا في ممشى أهل مصر على كورنيش النيل. لا يوحي المشهد بأن قرار الترشيد نزل على المدينة نفسها؛ كل واجهات المحلات مضاءة، الكافيهات تعمل طوال الليل، عمرو دياب يغني "القاهرة ونيلها" في السماعات.
يبرر مسؤول عن أحد الكافيهات استمرار الأوضاع بشكل طبيعي رغم قرار الحظر "دي سياحة وأمن قومي، لا يجب بأي شكل أن يتم إغلاقها". الجملة، في حد ذاتها، تلخص منطق الاستثناء الذي أقره القرار الرسمي بالفعل للأنشطة والمنشآت السياحية في عدد من المحافظات، من بينها الشريط النيلي في نطاق القاهرة والجيزة.
إلا أن السائحين لن يقصروا رحلتهم على الجلوس في الكافيهات أو تمضية الوقت في المطاعم المطلة على النيل، حيث يريدون التجول في الشوارع والشراء من المحلات والبازارات، والاستمتاع بالأجواء الليلية في القاهرة الساهرة بأحيائها العتيقة ومساجدها ومسارحها وأماكن الترفيه والمقاهي وساحات الفنون.
"لم أهرب من برلين، لأزور برلين أخرى"، هكذا يتحدث لوي ألكسندر، وهو باحث ألماني شاب جاء لمصر في رحلة سياحية خاطفة ليرى المدينة التي لا تنام، إلا أنه فوجئ على حد وصفه بـ"بنعاس قسري" أصاب المدينة.
يؤكد لـ المنصة أنه أتى لـ"رؤية المقاهي والسهرات الشعبية" وليس "الكافيهات المعزولة"، على حد وصفه.
اقتصاديًا، تبرر الدولة منطقها بأن فاتورة الطاقة ترتفع، والتضخم يضغط على الأسر، والحل في ترشيد الاستهلاك وخفض الاستيراد وتأمين الوقود واحتياطيات النقد الأجنبي.
وفي اجتماعه الرسمي لمتابعة إجراءات ترشيد استهلاك المواد البترولية والكهرباء، تحدث مصطفى مدبولي رئيس الوزراء عن ضرورة تدبير الموارد المالية لشراء المنتجات البترولية المختلفة، وتقليص الفاتورة الاستيرادية، وتخفيف الضغط على موارد النقد الأجنبي في ظل الحرب الدائرة في المنطقة. وفي مؤتمر لاحق، أوضح أن فاتورة الطاقة قفزت من 1.2 مليار دولار في يناير إلى 1.5 مليار في فبراير/شباط، قبل أن تبلغ 2.5 مليار دولار في مارس.
وبينما كشف مصدر حكومي عن توفير نحو 80 مليون جنيه الغلق والترشيد، لم تنشر حتى الآن رقمًا تفصيليًا لما نزعه من مبيعات وساعات عمل وحركة نقل في اقتصاد الليل. بالطبع قد توفر الدولة في بند الاستيراد والوقود على المدى القريب أو المتوسط، لكن عم مصطفى وهيثم ومعاذ ووفاء وغيرهم هم من يدفعون الضريبة، سواء من أرزاقهم أو أنماط حياتهم.

