"هي كيميا"؟ المعلم حجاج الذي نحبه لأنه يشبهنا
تحتل شخصية تاجر المخدرات مساحةً كبيرةً في دراما رمضان هذا العام، وربما في كل عام. في الموسم الحالي تدور أعمالٌ كاملةٌ في عالم تجارة المخدرات، من منَّاعة من بطولة هند صبري ورياض الخولي، في معالجة درامية، إلى هي كيميا بطولة دياب ومصطفى غريب في معالجة كوميدية، إضافة إلى أدوار أساسية وثانوية في أعمال أخرى مثل تاجر التكاتك في عين سحرية، والصيدلي في إثبات نسب، ومحمد ثروت في علي كلاي.
أول تاجر مخدرات رأيته على الشاشة وحجز مكانًا في ذاكرتي، كان الفنان الراحل زكي رستم وهو يؤدي المعلم بيومي في فيلم رصيف نمرة 5 (1956)، ثم الفنان الراحل حمدي غيث في دور المعلم هدهد في أرض الخوف (2000)، وبينهما الحاج عبد التواب/عبد البديع العربي في فيلم العار (1982)، والمشترك بين الأخيرين هو أنسنة تاجر المخدرات.
بينما كانت المروءة قناعًا يتخفى وراءه المعلم بيومي في "رصيف نمرة 5"، مثّلت سلوكًا حقيقيًا للمعلم هدهد الذي يتكفل بإعاشة أسر رجاله الذين يسقطون في قبضة الشرطة، ويطعم الفقراء والمحتاجين في محيطه، وهو نموذج ظهر في أفلام هوليودية شهيرة مثل شخصية فيتو كورليوني/مارلون براندو في فيلم The Godfather إنتاج 1972، الذي يدير الكازينو وينظم جلسات قمار ويتاجر في الكحول المهرب لكنه في الوقت نفسه رجل مثالي يؤمن بقيم الصداقة والنزاهة، ويعطي أهمية كبرى للعائلة والانضباط، وهي الملامح الرئيسية أيضًا لشخصية فرانك لوكاس تاجر المخدرات الشهير الذي جسد شخصيته دينزل واشنطن في American Gangster إنتاج 2007.
صناعة الشيء من اللا شيء
لا أعرف ما الذي كان يفكر فيه صناع مسلسل "هي كيميا" بالضبط قبل الشروع في الكتابة ثم التصوير وظهور العمل على الشاشة، فمن يتأمل لقصص تجار المخدرات المشهورين في السينما والدراما المصرية أو العالمية؛ يجد أن كاريزمتهم تأتي من مسارات محددة.
تتأرجح هذه المسارات في اختيارات بعينها: قصة الصعود، الشاب الذي يتورط في عالم تجارة المخدرات والجريمة ويشق طريقه إلى القمة، مثل أحمد زكي في الإمبراطور (1990) وهو مقتبس من فيلم Scarface (1983)، أو القدرة على التمويه، أو التخفي وراء أعمال الخير والمروءة، مثل المعلم زكي رستم في "رصيف نمرة 5"، أو التخفي وراء المركز الاجتماعي المرموق مثل شخصية الكينج/محمد الدفراوي في فيلم سلام يا صاحبي (1986)، أو الرغبة الحقيقية في مساعدة المحتاجين مثل حمدي غيث في "أرض الخوف"، أو التحول إلى الضد، من رجل شرطة يكافح تجار المخدرات إلى واحد منهم، شخصية يحيى أبو دبورة/أحمد زكي في أرض الخوف.
ما حدث بالفعل أن المعلم حجاج/دياب لم يكن أيًّا مما سبق؛ يبدو أن صناع الفيلم أخبروه أنه سيلعب دور تاجر مخدرات دون تصور واضح لكيف ستبدو هذه الشخصية، وأنهم طلبوا منه أن يتصرف فقط على طبيعته، وهذا ما حدث بالفعل.
لم يشبه المعلم حجاج أي تاجر مخدرات عرفناه سابقًا، وأعتقد أنه أول تاجر مخدرات يظهر على الشاشة يغني، ويرقص لزوجته القعيدة عفاف/ميمي جمال التي نكتشف مع تصاعد الأحداث أنه يدير أموالها وتجارتها، وأنها حين تعرف بأمر زيجته السرية من نبيلة/فرح يوسف تطرده من مملكتها.
يشبهنا دياب؛ عادي، مرتبك، يتظاهر بالقوة، شرير وطيب في آن، بغير عضلات مفتولة، ولا صوت يفتعل الخشونة والرجولة، لا يكسب جميع المعارك، نشاهده مقيدًا لا حول له ولا قوة، ومرة أخرى يمسك بمسدسه ويهدد خصومه.
في المسلسل يضحي حجاج بمستقبله الدراسي ويحمل على عاتقه توفير تكاليف تعليم جيد لأخيه الأصغر سلطان، وحين يلتقيان يشعر حجاج بالغيرة من أخيه الذي يحمل درجة الدكتوراه في معالجة وتحليل المياه، بينما هو "جاهل" لم يكمل تعليمه.
لا تتقاطع شخصية حجاج مع شخصية دياب الحقيقية فقط في كونه لم يكمل تعليمه مثله، بالكاد تحصل على شهادة الثانوية العامة بعد إلحاح من والده، إنما أيضًا في رحلة صعوده مغنيًا ثم انطلاقه ممثلًا في أدوار قريبة للبطولة.
طمح دياب في مراهقته لأن يصبح لاعب كرة قدم، لكنه تحول إلى الغناء في الأفراح ثم النوادي الليلية، وفي الأخيرة التقطه صديقٌ للمنتج الفني الشهير نصر محروس ورتب له لقاءً معه يسفر عن إنتاج أغنية غمازات عام 2005 من كلمات نصر محروس نفسه.
لاحقًا ومن خلال صداقة بين دياب والمخرج أكرم فريد انضم إلى فريق عمل مسلسل ساحرة الجنوب (2015) مع النجمة حورية فرغلي، في أول إطلالة له في عالم التمثيل، ليظهر في دور هاني وهو شخص متأرجح بين الخير والشر. الدور اختاره دياب بعد أن قرأ السيناريو وأخبر صديقه المخرج بأن هذه الشخصية المعقدة جذبته.
الانطلاقة الفنية الأكبر لدياب كانت شخصيةَ أمين الشرطة الفاسد زناتي في مسلسل كلبش (2017) مع النجم أمير كرارة، ثم شخصية منصور في مسلسل "أيوب" (2018) مع مصطفى شعبان، في دور زوج شقيقته آيتن عامر، وهي شخصية شريرة ونفعية، ثم كسر دياب برواز دور الشرير بمشاركته في مسلسل الاختيار (2020) الجزء الأول بشخصية الشيخ سالم لافي الرجل السيناوي الذي يتصدى للإرهاب كتفًا بكتف مع رجال الجيش والشرطة.
الأمر الذي يبدو عيبًا خطيرًا في بناء العمل الدرامي والشخصيات الرئيسية تحوّل إلى نقطة قوة. في اعتقادي الرهان لم يكن على تقديم معالجة مختلفة لشخصية تاجر المخدرات بقدر ما كان على الانفجار الكوميدي الطبيعي الذي يحدث حين تتقاطع العوالم المختلفة على الشاشة: الفقير الذي يأخذ مكان الغني لشبه قوي بينهما مثل إسماعيل يس في فيلم المليونير (1950)، أو زعيم المافيا الذي يلجأ إلى طبيب نفسي لمساعدته ويتورط كلاهما في عالم الآخر، مثل روبرت دينيرو في Analyze This إنتاج 1999، أو العاطل الذي يوضع عقله في جسد ضابط شرطة صارم مثل محمد سعد في اللي بالي بالك (2003).
التضاد أو المفارقة التي راهن عليها صناع هي كيميا حدثت بالجمع بين الكيميائي سلطان/مصطفى غريب، الذي يعمل في شركة تعبئة مياه معدنية، ويواجه مصاعب في علاقاته الاجتماعية والعاطفية بسبب خجله وارتباكه وقلة خبرته، والأخ غير الشقيق تاجر المخدرات المعلم حجاج/دياب، وهي مفارقة سابقة ظهرت في فيلم الكيف (1985)، وظهرت في مسلسل Breaking Bad إنتاج 2008. في العملين (الفيلم والمسلسل) يتورط الكيميائي في عالم تجارة المخدرات، ويتورط تاجر المخدرات في حياة الكيميائي الخجول ويسعى لمساندته، وتتفجر الكوميديا من ردود الفعل المتباينة لكلا الشخصيتين المختلفتين.
قص ولصق
لا توجد فكرة فريدة أو عبقرية في هي كيميا، ولا حتى تحولات مفاجئة. التطوير الدرامي حدث من خلال إضافة شخصيتين مستهلكتين أيضًا، الخطيب السابق لخطيبة سلطان كوثر/مي الجندي، المريض النفسي الذي يهرب من المصحة ليطارد خطيبته، والحانوتي وصبيه الغبي، يعيدنا الثنائي لبيب/محمد عبد العظيم ولمعي/شريف حسني، بالذاكرة إلى الحنوتي الأشهر المعلم خميس/إسماعيل يس وصبيه غزال/حسن أتلة من فيلم حماتي ملاك (1959).
العلاقة بين نبيلة زوجة المعلم حجاج وعماد صديق سلطان/ميشيل ميلاد تشبه إلى حد كبير العلاقة بين جون ترافولتا وأوما ثرومان من فيلم Pulp Fiction إنتاج 1994، والمعمل الأرجواني الذي يظهر فيه المعلم غازي/سيد رجب، تاجر المخدرات الكبير المتخصص في ابتكار أو طبخ المخدرات أو تصنيعها مستنسخ تقريبًا من فيلم The Gentlemen.
بشكل عام، لا فكرة عبقرية في هي كيميا، ولا أداء تمثيلي بارع، لكن عادية العمل وأبطاله أكسبته تميزه وسط كم كبير من مسلسلات الأبطال الخارقين الذين لا يشبهوننا. المثير للدهشة أكثر أن دور تاجر المخدرات يسمح لمن يجسده ويمنحه المبرر الدرامي للظهور بمظهر الرجل القوي الذي يأمر فيُطاع، ويتحدى خصومه فيسحقهم.
براعة دياب أنه قدم لنا نسخةً مصريةً من بابلو إسكوبار تاجر المخدرات الأيقوني. الفارق بين الأول والثاني أن دياب لم يكن يطمح إلى الترقي السياسي أو المالي بقدر توقه إلى نيل نظرة إعجاب من أخيه الدكتور سلطان، يقر من خلالها بالامتنان لأخيه الأكبر الذي ينفذ وصية والدهما برعاية أخيه الأصغر و"تنشيفه" أي تخليصه من السذاجة الطفولية التي يتعامل بها المتفوقون دراسيًا مع الحياة العملية والاجتماعية خارج الأوساط الأكاديمية.
