تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
من كان يقود الميدان؟ من كان يقود ثورة الشعب المصري؟

إلى "زد" و"بيتا" ومن بعدهما: عاشت ثورة 25 يناير

منشور الثلاثاء 3 شباط/فبراير 2026

طلب الصديق المحامي خالد علي من أصدقائه ومتابعيه كتابةَ ذكرياتهم مع ثورة 25 يناير 2011 وحكاياتهم.

لماذا تريدني يا رفيقُ أن أكتب عن تجربةِ سنوات طويلة عشناها سويًا من قبل الثمانية عشر يومًا في ميدان عشق مصر، التحرير؟ مرت 15 عامًا على الحدث العظيم الذي حفر مكانه في التاريخ رغم محاولات التشويه. لن تستوعب الأجيال التي وُلدت في عام ثورة الشعب المصري أو قبله بقليل حديث البعض عنها حتى اليوم بحب وحماس رغم عدم تحقيق أي من مطالب ثورتهم تقريبًا، بل على العكس يعيشون الآن أوضاعًا أشد وطأة من عهد مبارك الذي ظل في الحكم 30 سنة.

شريط الذاكرة

لكن هل مضت كل هذه السنوات منذ وصلت متأخرًا من نيويورك إلى ميدان الثورة مساء يوم 30 يناير/كانون الثاني 2011؟ أشعر أن الثورة وأحداثها، حلم أو كابوس ممتد، لم تنته أحداثه المتلاحقة بعد فما زلت أعيشها وأنا ألهث غير مصدق التطورات والتغيرات سواء في مصر أو المنطقة.

كل ما شهدته ومررت به على مدى الـ15 عامًا الماضية، وهو كثير، كان مرتبطًا بالثورة نقطةَ تحول ما بعدها لا يشبه ما قبلها. ربما لهذا السبب لا أستطيع الحكي عنها لجيلٍ لم يشاركْ بها باعتبارها ذكرى بعيدة، فالطموحات التي عبَّر عنها ملايين المصريين ولخصوها في شعار بسيط "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" في بلد لم يعتد القيام بثورات شعبية ناجحة ضد حكامه تبقى هي البوصلة والمعيار لكل ما أستمر في طرحه والمطالبة به حتى الآن.

لولا فساد الحكام وطول فترة حكمهم دون محاسبة لما ثارت كل تلك الملايين

حتى في ظل الهجوم الممنهج والمنتظم على هذه الثورة السلمية المثالية، والترويج لنظريات المؤامرة الخارجية، والتحذيرات شبه اليومية، من أن مجرد التفكير في تحرك مماثل سيؤدي لكوارث لا يعلم عواقبها إلا الله، ولانهيار الدولة بالكامل وتفككها لتلحق بكل الدول المحيطة بنا المتفككة المتحاربة المنهارة، تبقى هناك حقيقةٌ غائبةٌ.

أنه لولا فساد الحكام وطول فترة حكمهم دون محاسبة، وتزوير الانتخابات بنتيجة الـ99%، وتبني خطاب مزدوج مزيف يرفع شعارات قومية أو سياسية تتناقض تمامًا مع ما يجري على أرض الواقع، وواقع اقتصادي مُزرٍ تعاني فيه الغالبية الكاسحة من الفقر بينما تعيش أقلية في رفاهية لا تتوفر لأكبر أثرياء الغرب، لما ثارت الملايين من الشعوب في مرحلة ما كان يُعرف بـ"الربيع العربي" في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن والبحرين ولبنان والعراق والسودان والجزائر والمغرب، ولما انهارت بكل هذه السهولة الكثير منها بعد زوال حكم الفرد. 

إلى التحرير خذوني

كنتُ مراسلًا صحفيًا في مقر الأمم المتحدة بنيويورك عندما اشتعلت أحداث الثورة التونسية بنهاية 2010 ضد النموذج المباركي لديهم، زين العابدين بن علي.

أتذكر مشاهدتي للرجل التونسي الأيقونة يصرخ منفردًا في شارعٍ يخلو من البشر بن علي هرب، وكيف ركضتُ وقتها من مكتبي في الطابق الثالث  بالأمم المتحدة نحو مقر مجلس الأمن في الطابق الأرضي حيث كان السفراء العرب يعقدون اجتماعهم الشهري، لتنسيق المواقف وقص ولصق البيانات التي سبق صدورها منذ عقود لكي أزف لهم الخبر.

أصبح السؤال الذي يردده الجميع هل يكون الدور القادم على مبارك؟

كان ذلك يوم 14 يناير 2011. تخليت عن كل الأعراف والتقاليد الدبلوماسية وأنا أصرخ فرحًا "الشعب التونسي انتصر، بن علي هرب". تجمد السفراء العرب مذهولين غير مصدقين كأنما "على رؤوسهم الطير" فالخبر ليس مما اعتادوا عليه أو اعتدنا نحن الصحفيين أن نسأل عنه.

توجه السفراء متضامنين متعاطفين إلى زميلهم مندوب تونس المصدوم: إن شاء الله خير، خلينا نتأكد من الخبر، بينما تبادلتُ نظرات صامتة معبرة مع مندوبنا المصري في وقت كان كلانا يعرف ويتابع الدعوات للتظاهر في مصر يوم 25 يناير 2011، التي اكتسبت زخمًا هائلًا بعد نجاح ثورة تونس.

أصبح السؤال الذي يردده الجميع هل يكون الدور القادم على مبارك؟ مصر ليست تونس طبعًا، لكنها تشبهها في ركن أساسي؛ القبضة الأمنية الحديدية التي تمنح الحاكم الثقة المفرطة في البقاء للأبد، والتي انهارت عندما تحقَّق ما لخصه أحد القيادات الأمنية في مصر بعد 28 يناير 2011 "ثورة الغضب" بقوله الشعب ركب يا باشا.

إذا اختبر جيلا "زد" و"ألفا" جديدًا كل يوم، فجيلي الذي يناهز الستين عامًا لم يعرف سوى مبارك في مصر لمدة ثلاثين عامًا والقذافي في ليبيا مدة أربعين عامًا وصدام العراق لربع قرن وصالح اليمن لثلاثة عقود وهكذا. كنت في الرابعة عشرة عندما تولى مبارك منصبه عام 1981، ورحل وأنا في الرابعة والأربعين.

لهذا وصفنا رحيل مبارك وهذا الطاقم من الحكام الأبديين في بلادنا بـ"الثورة". وربما اختصارُنا "الثورةَ" في هذا الهدف فقط، معتقدين أن رحيل مبارك سيحقق كل المطالب التي نادينا بها في ميدان التحرير، أدى لفشلنا لاحقًا وسريعًا، بعدما تفرقتْ السبل وتعجلت الأطراف الرئيسية التي شاركت في أحداثها وقت جني الثمار وعقد الصفقات.

متظاهرون في ميدان التحرير، 11 فبراير 2011

كانت هناك أطراف هدفها حصر مطالب الشعب المصري في التخلص من مبارك فقط، خاصة بعد أن شاخ في منصبه وتولى نجله، جمال، عمليًا إدارة شؤون البلاد وجني الأرباح ومعه فريق لجنة السياسات في الكيان الوهمي المسمى الحزب الوطني الديمقراطي.

كيساري قديم، تعلمت من أساتذتي أنه لا ثورة بدون تنظيم وقيادة وبرنامج بديل لما هو قائم. بعد خمسة عشر عامًا، أتذكر عودتي إلى مصر على متن طائرة ضخمة من نيويورك تابعة لـ"مصر للطيران" لم يكن بها سوى عشرة ركاب، معظمهم شباب كان واضحًا أنهم عائدون للوطن مثلي للمشاركة في حدث لم يحلموا بحدوثه.

هي الثورة

فور وصولي التحرير مشيًا على الأقدام مسافة طويلة، سألت الأصدقاء الذين قابلتهم بحضن وكلمة "أخيرًا"؛ "من يقود الميدان؟ من يقود ثورة الشعب المصري؟" لم أشعر مطلقًا بالارتياح عندما كنت أتلقى ذلك الرد الساذج "كلنا هنا قيادة" أو "القيادة للشعب". لتبقى الأسئلة؛ ما هي أهداف مرحلة ما بعد نجاح الثورة يا رفاق؟ "عيش حرية عدالة اجتماعية" ولاحقًا أضاف الدكتور محمد البرادعي القادم من الغرب "كرامة إنسانية." ولكن كيف؟ وعلى يد من؟ دائمًا ما كان الرد "بعدين" ولنضمن أولًا رحيل مبارك.

قرأت في أحد المقالات المفيدة المؤلمة لجيل "زد" التي نشرتها المنصة مؤخرًا إشارة لحقيقة أن أحد أسباب فشل ثورة 25 يناير هي غياب التنظيم الذي كان من المفترض أن يقود تلك الثورة.

يقر الأصدقاء الناصريون بأن ما حدث في 23 يوليو 1952 كان انقلابًا عسكريًا كلاسيكيًا تحول لاحقًا إلى ثورة بعدما أزاح طبقةً حاكمةً واحتلالًا أجنبيًّا، وأعاد توزيع الثروة لتزول طبقة وتصعد أخرى جديدة.

تحقق ذلك بوجود تنظيم اسمه "الضباط الأحرار" يدير ويخطط. أما 25 يناير، فكانت ثورة شعبية بحق لكن دون تنظيم يضمن تحقيق أهداف الثورة، لذلك تمكنت جماعة الإخوان المسلمين الأكثر ثراءً وتنظيمًا ودعمًا خارجيًا من أن تكون المقابل الوحيد للدولة العميقة المتجذرة المسيطرة التي أنتجت مبارك ومن سبقه ومن لحقه.    

غيَّرت ثورة 25 يناير مساري الشخصي، أنهيتُ فترة إقامتي في الولايات المتحدة، التي امتدت نحو عشر سنوات، وعدت للانضمام لحزب الدستور بقيادة الدكتور البرادعي، ثم المشاركة متحدثًا باسم جبهة الإنقاذ الوطني لمعارضة حكم المرشد والجماعة منفردة، وهو ما تسبب بعد رحيل الإخوان في تعرضي لمحاولة اغتيال على يد أنصارها طعنوني بالسكين وحاولوا قطع يدي اليسرى.

لتبدأ معارضتي لنظام ما بعد 30 يونيو 2013 الذي لم يعبِّر عن طموحنا في معارضتنا لحكم الإخوان، وهو ما ترتب عليه سجني احتياطيًا لمدة 19 شهرًا في نهاية عام 2019. هذه المسيرة الطويلة ومتلاحقة الأحداث جعلتني غير قادر على التأكد مما إذا كانت الثورة حلمًا أم كابوسًا ممتدًا مرَّ عليه 15 عامًا. 

لكنها حقيقة لم أتيقن منها إلا بعد متابعتي لصور ذكريات الميدان. كنت وكل الرفاق في هذه الأيام العظيمة شبابًا ممتلئين بالحياة قبل أن يغزو الشيب رؤوسنا. 

لكن إذا كان يحق لي أن أوجه رسالةً يقرأها جيل زد وألفا أو بيتا القادم فهي أنني سأبقى حتى رحيلي عن هذا العالم فخورًا بمشاركتي في ثورة 25 يناير وبما شهده ميدان التحرير من تضامن ومحبة وفداء بين مختلف فئات وطبقات الشعب المصري نساءً ورجالًا.

عاشت ثورة 25 يناير.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.