"أدلة القتل غير كافية".. حُكم إيطالي بسجن 3 ضباط مصريين 10 سنوات بتهمة خطف ريجيني
قضت محكمة الجنايات الأولى في العاصمة الإيطالية روما، أمس الاثنين، بمعاقبة ثلاثة ضباط مصريين بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات غيابيًا، لإدانتهم باختطاف واحتجاز الباحث الإيطالي جوليو ريجيني عام 2016، فيما برأت متهمًا رابعًا، واستبعدت المحكمة تهمة القتل العمد لعدم كفاية الأدلة.
جاء النطق بالحكم بعد مداولات مغلقة لهيئة المحكمة استمرت نحو ثماني ساعات؛ حيث شملت الإدانة بالسجن 10 سنوات كلًا من الرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف، والعقيد حسام حلمي، والعقيد آسر كامل محمد، عن تهمة "الخطف والاحتجاز المقترن بظرف مشدد"، في حين قضت المحكمة ببراءة المتهم الرابع، اللواء طارق صابر، من كافة التهم المنسوبة إليه، حسب تقرير لوكالة الأنباء الإيطالية/ANSA.
ولم تستجب المحكمة للطلبات التي سبقة وأن أبدتها النيابة العامة الإيطالية في مرافعاتها الختامية، في يونيو/حزيران الماضي، والتي طالبت فيها بتوقيع عقوبة السجن المؤبد بحق الرائد مجدي شريف باعتباره "المنفذ المادي لعملية القتل"، والسجن 17 عامًا وستة أشهر للضباط الثلاثة الآخرين.
لكن ورغم استبعاد تهمة القتل، أثبتت المحكمة في حيثياتها الأولية، حسب التقرير، مسؤولية الأجهزة الأمنية المصرية عن اقتياد ريجيني قسريًا في 25 يناير/كانون الثاني 2016 من وسط القاهرة، واحتجازه داخل مقر تابع للمخابرات، والذي وصفعه التقرير بـ"فيلا قريبة من العاصمة".
واعتبرت المحكمة أن عناصر الإثبات التي جمعتها النيابة العامة الإيطالية لم تكن كافية لإسناد جريمة القتل العمد وما رافقها من تعذيب مفرط على نحو محدد ومباشر للمتهم الرئيسي مجدي شريف، وهو ما أرجعه الادعاء الإيطالي صراحة إلى ما وصفه بـ"الصمت والتكتم وغياب التعاون القضائي الفعال من جانب سلطات القاهرة"، وفقًا للتقرير.
وفي عقوبة تكميلية، ألزمت المحكمة المدانين الثلاثة بسداد تعويض مالي مؤقت واجب النفاذ فورًا مقداره 200 ألف يورو لكل من والدي ريجيني، و100 ألف يورو لشقيقته إيرين، فضلًا عن 150 ألف يورو كغرامة تُحصّل لصالح الحكومة الإيطالية.
وكانت جلسة مرافعة النيابة العامة أمام المحكمة، شهدت عرض صور للأشعة المقطعية لجثة ريجيني وصور أخرى لنتائج تشريحها، ووقتها نوه ممثل النيابة العامة الإيطالية إلى أن تقرير الطب الشرعي المصري بشأن الجثة رصد كسرًا واحدًا فقط في الذراع اليمنى لريجيني، بينما وثّقت الفحوصات الإيطالية 20 كسرًا بالجثة، خمسة منها في الأسنان، وخمسة عشر في العظام، حسب موقع Articolo 21 الحقوقي الإيطالي.
أما بالنسبة للسبب النهائي للوفاة، أكد ممثل النيابة العامة الإيطالية أن ريجيني "لم يمت بسبب مجموع الإصابات رغم خطورتها، بل قضى نتيجة ضربة قاضية أخيرة وجهها الخاطفون لإنهاء حياته"، واصفًا ما تعرض له الباحث بأنه "منهجية إبادة استهدفت كسر إرادته وحرمانه من أبسط حقوقه كإنسان".
وحسب التقرير لا يزال أمام النيابة الإيطالية فرصة للاستئناف على ذلك الحكم للمطالبة بتطبيق عقوبة أشد، ولكنها تنتظر إيداع المحكمة لأسباب الحكم وحيثياته، المقرر أن تودع خلال 90 يومًا، ليحدد الادعاء على إثرها موقفه من الاستئناف.
وفي أعقاب الحكم نقلت الوكالة الإيطالية عن محامية أسرة ريجيني، أليساندرا باليريني، قولها "من الواضح أننا بحاجة للاطلاع على الأسباب، لكننا نعلم اليوم أن ثقتنا في العدالة كانت في محلها، ومن الآن يمكن لمواطني العالم أن يشعروا بأمان أكبر".
فيما اعتبر المدعي العام في روما، فرانشيسكو لو فوي، أن حكم الإدانة يعني أن اتهامهم للضباط المصريين الثلاثة بالتورط في قضية ريحيني كان في محله، مشددًا على أن الحكم يمثل اعترافًا قضائيًا بأن الانتهاكات التي وقعت لريجيني "ارتكبها أشخاص مرتبطون بالدولة المصرية".
أما نائب المدعي العام الإيطالي سيرجيو كولايوكو، والذي أدار ملف القضية منذ عام 2016، فوصف الحكم بأنه "تاريخي يؤكد صحة رواية جهات التحقيق الإيطالية بعد انتشال الملف من المستنقع الذي كاد أن يغرق فيه".
وأثار الحكم ردود فعل سياسية داخل إيطاليا، طالبت خلالها زعيمة الحزب الديمقراطي المعارض، إيلي شلاين، التي حضرت الجلسة وتضامنت مع الأسرة، حكومة جورجيا ميلوني بالتحرك، مؤكدة أن "الحكم يرسخ سابقة قضائية تدين مسؤولين في جهاز أمني مصري، ولم يعد بإمكان أحد إنكار مسؤولية النظام في مصر".
فيما دعا رئيس تحالف "الخضر واليسار"، نيكولا فراتوياني، وزير الخارجية أنطونيو تاياني إلى "التوجه للقاهرة والمطالبة بتسليم المدانين لإنهاء مسار الإفلات من العقاب".
في المقابل، ذكر رئيس الوزراء الأسبق ماتيو رينزي بأن المسؤولية السياسية المصرية واضحة، معتبرًا أن مسار تطبيع العلاقات مع القاهرة استؤنف لاحقًا في عهد حكومات جوزيبي كونتي وماريو دراجي وصولًا إلى حكومة ميلوني الحالية.
ويأتي الحكم في وقتٍ تواصل القاهرة رفض الاعتراف بشرعية هذه المحاكمة وتتمسك بروايتها التي تنفي تورط مسؤولين أمنيين في مقتل الباحث الذي عُثر على جثته ملقاة على طريق "القاهرة- الإسكندرية" الصحراوي وعليها آثار تعذيب.
واختفى ريجيني طالب الدكتوراه بجامعة كامبريدج، 28 عامًا، وقت وجوده في القاهرة لإجراء بحث عن دور النقابات المستقلة بمصر في 25 يناير/كانون الثاني 2016، في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، وعثر على جثته وعليها آثار تعذيب بعد أسبوع من اختفائه.
وبعد تفجر قضيته قتلت الشرطة المصرية 5 أشخاص قالت إنهم قتلة ريجيني، قبل أن تتراجع عن هذه الرواية.
وحققت النيابتان الإيطالية والمصرية في البداية في مقتل ريجيني معًا، لكن استنتاجاتهما تباعدت بشدة، خاصة بعدما قررت النيابة العامة المصرية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 غلق ملف التحقيقات في مقتل الباحث ريجيني، بينما تحفظت على اشتباه النيابة الإيطالية بالضباط المصريين في مقتله، وقالت إنه "مبني على أدلة غير ثابتة، وتؤكد تفهمها للقرارات المستقلة التي سوف تتخذها النيابة الإيطالية".