سكرين شوت من البث المباشر
رئيس الوزراء بينامين نتياهو أثناءكلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، 24 سبتمبر 2026

إعلام عبري: خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة كشف عزلة إسرائيل

أحمد دهبي
منشور السبت 26 أيلول/سبتمبر 2026

تحول انسحاب عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى العنوان الأبرز في تغطيات وتحليلات الإعلام الإسرائيلي، التي رأت في المشهد علامة على تعمق عزلة إسرائيل دوليًا. لم تكتف الصحف والقنوات بنقل الخطاب، فربطت صور القاعة شبه الخاوية بفشل نتنياهو في تقديم أفق سياسي أو "رسالة أمل".

وكان عشرات من ممثلي الدول غادروا قاعة الجمعية العامة فور صعود نتنياهو إلى المنصة، قبل أن يصفهم بـ"الجبناء أخلاقيًا"، بينما رد مؤيدوه في شرفة القاعة بهتافات "شعب إسرائيل حي". وقالت المنصة إن القاعة بدت شبه فارغة أمام نتنياهو، بعدما غادرها، وفق تقديرات إعلامية، ممثلو 77 دولة، بالتزامن مع احتجاجات خارج مقر الأمم المتحدة واعتقال أكثر من 100 متظاهر في نيويورك.

متشدد وعدواني

وفي واحد من أبرز التحليلات الإسرائيلية، كتب مبعوث يديعوت أحرونوت إلى نيويورك إيتمار آيخنر أن نتنياهو ألقى خطابًا "متشددًا وعدوانيًا"، شبيهًا بخطاب "الدم والعرق والدموع"، في إشارة إلى الخطاب الشهير الذي ألقاه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل أمام مجلس العموم البريطاني في 13 مايو 1940، مؤكدًا للشعب البريطاني قسوة المعركة ضد النازية وحتمية خوض الحرب. 

كما أشار آيخنر إلى أن نتنياهو وجّه في خطابه الإدانات إلى الغرب وإيران وقطر وحزب الله وحماس والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لكنه رأى أن الخطاب خلا من الحديث عن السلام أو توسيع اتفاقات أبراهام، ولم يقدم "ولو بصيص أمل"، بل دار حول مفردات "النصر" و"يريدون إبادتنا" و"لا خيار أمامنا".

وخلص آيخنر، في تحليله، إلى أن نتنياهو تحدث "إلى قاعة فارغة وإلى عالم لم يعد قادرًا على الإصغاء إليه"، معتبرًا أن الخطاب، رغم طلاقته في الإنجليزية ودفاعه عما يصفها بـ"حقيقة إسرائيل"، كان موجهًا أساسًا إلى القاعدة الانتخابية داخل إسرائيل قبل 33 يومًا من الانتخابات، وأن صور مغادرة القاعة هي التي سيطرت على الشبكات الاجتماعية. وأضاف أن مكتب نتنياهو حرص على ملء شرفة القاعة بـ "فرقة مشجعين" هتفوا له "برافو"، و"شعب إسرائيل حي".

توقفت يديعوت أحرونوت عند غياب ممثلي نحو 70 دولة أثناء الخطاب، مع الإشارة إلى أن بعضهم لم يحضر أصلًا، وأن عدد المغادرين كان أكبر من العام الماضي، رغم عدم رفع لافتات أو إطلاق صيحات استهجان. ورأى آيخنر أن نتنياهو "وصل متأخرًا جدًا، وحيدًا جدًا، وضعيفًا جدًا"، وأنه بحث عن "حيل" مثل جهاز البيجر ووحدة ستارلينك، لكن العالم لم تعد لديه مساحة كبيرة للصبر عليه.

وفي متابعة منفصلة، ركزت N12/ماكو، منصة أخبار القناة 12 الإسرائيلية، على طريقة تغطية الإعلام الدولي للخطاب، قائلة إن وسائل إعلام أمريكية وبريطانية وضعت انسحاب الدبلوماسيين من القاعة في مقدمة التغطية، ورأت أن الخطاب لم يكن  خطابًا دبلوماسيًا موجّهًا إلى العالم، بل بدا موجهًا للحملة الانتخابية المقبلة في إسرائيل ومكتوبًا خصيصًا لإثارة القاعدة الانتخابية اليمينية التي يعتمد عليها نتنياهو.

ونقلت الجزيرة عن القناة 13 الإسرائيلية وصفها الخروج الجماعي بأنه غير مسبوق مقارنة بالعام الماضي، معتبرة أنه يعكس حجم الاحتجاج الدولي على سياسات الحكومة الإسرائيلية. كما نقلت عن قناة i24 أن مغادرة الوفود بمجرد دخول نتنياهو حملت دلالة رمزية قوية على الرفض، وعن القناة 11 العامة أن العنوان الأبرز في الصحافة العالمية لم يكن مضمون الخطاب، بل مشهد الانسحاب الجماعي الذي طغى عليه.

نقلت عن عراد نير، مقدم البرامج السياسية عبر القناة 12، وصفه للخطاب بأنه "خطاب حرب" يكرس استمرار العدوان على غزة، ويفتقد الأمل والحلول السياسية. ونقلت الجزيرة أيضًا عن الوزيرة السابقة من حزب الليكود ليمور ليفنات اتهامها نتنياهو بالكذب على عائلات المحتجزين الإسرائيليين في غزة، معتبرة أن خطابه يعكس استمرار الأزمة التي أوصلت إسرائيل إلى "مكانة منحطة وصعبة جدًا".

أما إسرائيل هيوم، الصحيفة اليمينية التي طالما وُصفت بأنها قريبة من نتنياهو، فقد نقلت الرسائل السياسية التي أراد نتنياهو نقلها من خلال خطابه؛ إذ قالت إن عشرات المندوبين غادروا القاعة مع صعود نتنياهو إلى المنصة، ثم أبرزت رده عليهم "إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيين آخرين هنا، فليغادروا الآن". وركزت الصحيفة على هجومه على إيران وقطر وتركيا وعمدة نيويورك زهران ممداني، وعلى استعراضه جهاز بيجر ووحدة ستارلينك خلال الخطاب.

ورغم تشديد إسرائيل هيوم على قول نتنياهو إن إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية في غزة بل "منعتها"، وعلى اتهامه قادة دول غادرت وفودها القاعة بأنهم يشكرون إسرائيل سرًا على ضرب المنشآت النووية الإيرانية، فإنها أدرجت واقعة الانسحاب ضمن أبرز خلاصات الخطاب، بما يعني أن المشهد لم يُعامل حتى في الإعلام العبري اليميني كاحتجاج دبلوماسي عابر.

غير مرغوب فيه

وفي النشرة اليومية لهآرتس، وصفت الصحيفة نتنياهو بأنه "شخص غير مرغوب فيه" في الأمم المتحدة، واعتبرت خطابه حيلة انتخابية، في قاعة لا أحد ليسمعه فيها، لأن إسرائيل باتت "دولة مقاطعة". وربطت الصحيفة ذلك بجدول لقاءاته المحدود على هامش الجمعية العامة، قائلة إنه لا يتوقع أن يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو أي زعيم دولة كبرى، مقابل لقاءات مع قادة الأرجنتين وبوليفيا وباراجواي وبنما وإثيوبيا واليونان وسلوفينيا وبابوا غينيا الجديدة ونائب رئيس كولومبيا. 

كما وصفت الصحيفة إسرائيل بأنها "الطفل المنبوذ في الفصل". واستعادت عبر مقابلة مع المدير العام السابق لمكتب رئيس الوزراء شمعون شباس، صورة مغايرة من خطاب رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين في الأمم المتحدة قبل 31 عامًا، حين قال شباس إن القاعة كانت ممتلئة خلال خطابه، بما في ذلك الدول العربية، و"لم يكن هناك كرسي واحد فارغ".

وفي تحليل آخر لهآرتس، رأت الصحيفة أن خطاب نتنياهو، حتى لو أُعد كدعاية انتخابية، قد يُذكر لاحقًا بوصفه "تأبينًا غير مقصود للشراكة الكاملة لإسرائيل في المجتمع الدولي". وذكرت أن نتنياهو اعتاد استغلال خطابات الأمم المتحدة للوعظ واستعراض "الحيل" والوسائل البصرية، لكن تراجع مكانته ومكانة إسرائيل عالميًا جعل الجمهور يرد عليه بمشهد بصري مضاد، هو الخروج من القاعة قبل الخطاب أو أثناءه. 

واعتبرت الصحيفة أن خطابه هذه المرة صُمم لخدمة معركته الانتخابية الداخلية، عبر الاشتباك مع عمدة نيويورك زهران ممداني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأوروبا، لكنها رأت أن "الفيل في قاعة الأمم المتحدة" هو ترامب، الذي لم يلتق نتنياهو، بينما وجد وقتًا للجلوس مع قادة ومسؤولي دول عربية وإسلامية، في إشارة إلى تراجع قدرة نتنياهو على استخدام علاقته بواشنطن كورقة سياسية داخلية.