سكرين شوت من البث المباشر
وفود عربية وأجنبية تنسحب من الجمعية العامة للأمم المتحدة تزامنًا مع كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، 24 سبتمبر 2026

احتجاجات في الداخل والخارج.. نتنياهو يتحدث إلى قاعة خاوية في الأمم المتحدة

قسم الأخبار
منشور الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2026

لم ينتظر عشرات من ممثلي الدول انتهاء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس الخميس، ليعلنوا اعتراضهم عليها؛ إذ بدأوا في مغادرة القاعة فور صعوده إلى المنصة، بينما كان متظاهرون في الخارج يقطعون الطرق المحيطة بمقر المنظمة، قبل أن تعتقل شرطة نيويورك أكثر من 100 منهم.

وفي الداخل، لم يتعامل نتنياهو مع مغادرة الوفود باعتبارها تجاهلًا لخطابه، بل حوّل المشهد إلى جزء من كلمته، واصفًا المنسحبين بأنهم "جبناء أخلاقيًا"، فيما هتف مؤيدوه من شرفة القاعة بالعبرية "شعب إسرائيل حي". وأظهرت صور ومقاطع من الجلسة استمرار خروج الوفود بينما كان نتنياهو يلوّح لبعض المغادرين.

لكن المشهد اللافت بالأكثر لم يكن في المقاعد فقط. فعلى منصة الجمعية العامة، استخدم نتنياهو جهاز "بيجر" للإشارة إلى العملية التي استهدفت أجهزة اتصال يستخدمها عناصر حزب الله في لبنان عام 2024، ثم رفع جهاز استقبال لخدمة "ستارلينك" في حديثه عن إيران، قبل أن يحاول السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون، بعد الخطاب، تسليم الجهاز نفسه إلى دبلوماسي إيراني رفض أخذه وأدار وجهه عنه.

انسحاب داخل القاعة واحتجاج في الشارع

قبل أن يبدأ نتنياهو كلمته بدأت عدة وفود الانسحاب من القاعة اعتراضًا على السياسات الإسرائيلية وخاصة فيما يتعلق بعدوانها المستمر منذ 2023 على قطاع غزة، ليجد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه أمام قاعة شبه فارغة، بعدما غادرها، وفق تقديرات مصادر إعلامية، ممثلو 77 دولة.

خرجت الوفود بصمت وهدوء، وبقيت أغلبية مقاعد الدول فارغة أمام نتنياهو، الذي لم يتمكن من إخفاء توتره. وفي محاولة للتشويش على المشهد اللافت، أطلق أعضاء من وفده وأشخاص من الجمهور الذي اصطحبه، وجلس في المقاعد المخصصة للضيوف في الجزء الخلفي من القاعة، هتافات بالعبرية مثل "شعب إسرائيل حي".

وبحسب تقارير صحفية، فإن أغلبية الوفود العربية انسحبت من القاعة، باستثناء المغرب والإمارات والبحرين، فيما انسحبت وفود أوروبية، من بينها أيرلندا وإسبانيا. ومن الدول الإفريقية والآسيوية ودول أمريكا اللاتينية التي انسحبت: تركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا وجنوب أفريقيا والسنغال وجيبوتي وناميبيا وموزمبيق وكينيا والبرازيل وكولومبيا ونيكاراجوا وبيرو وكوبا وتشيلي وغيرها. 

وشهدت القاعة منظرًا مشابهًا للعام الماضي، إذ انسحبت كذلك عشرات الوفود احتجاجًا على سياسات إسرائيل، وعلى ما وصفته تلك الوفود بالإبادة الجماعية التي ترتكبها حكومتها بحق الفلسطينيين.

وفي خارج القاعة، كان المشهد أكثر صخبًا، إذ تجمع مئات المحتجين بالقرب من مقر الأمم المتحدة، ونظم عدد منهم اعتصامًا في الطريق، مرددين شعارات تطالب بوقف تسليح إسرائيل وإنهاء الحرب على غزة، قبل أن تطلب الشرطة منهم إخلاء الطريق. ومع استمرار المجموعة في الجلوس، بدأت الشرطة في اعتقال المشاركين ونقلهم إلى حافلاتها.

واختلفت التقارير الأولية بشأن عدد المعتقلين. وقالت رويترز إن الشرطة اعتقلت 30 شخصًا على الأقل، بينهم الممثلتان سوزان ساراندون وهانا أينبيندر، ومرشحة للكونجرس وعضو في مجلس مدينة نيويورك. لكن شرطة نيويورك أبلغت الجزيرة لاحقًا بأن العدد بلغ 103 أشخاص، أُفرج عنهم جميعًا بعد اتهامهم بالسلوك غير المنضبط.

البيجر.. استعراض عملية لبنان

وسط هذا المشهد، اختار نتنياهو أن يحمل إلى منصة الأمم المتحدة جهازًا ارتبط بأحد أبرز الهجمات الإسرائيلية على حزب الله خلال الحرب التي سبقت التصعيد الواسع في لبنان.

ففي 17 سبتمبر/أيلول 2024، انفجرت آلاف أجهزة البيجر في مناطق مختلفة من لبنان، ثم تبعتها في اليوم التالي تفجيرات استهدفت أجهزة اتصال لاسلكية أخرى. وبحسب وثيقة للأمم المتحدة، قُتل في الهجومين 32 شخصًا على الأقل وأصيب أكثر من 3250 آخرين، بينهم أطفال وعاملون طبيون. وأكد مكتب نتنياهو في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مسؤولية إسرائيل عن عملية البيجر.

وفي خطابه، استخدم نتنياهو الجهاز باعتباره رمزًا للعملية التي قال إنها أضعفت حزب الله، في استعادة لأسلوب اعتاد استخدامه في خطبه أمام الأمم المتحدة، عبر تحويل بعض العمليات أو الملفات العسكرية إلى أدوات بصرية أمام الكاميرات.

وبذلك لم يكن البيجر مجرد تفصيل في الخطاب؛ فقد جاء عرضه في لحظة كانت فيها عشرات الوفود تغادر القاعة، ليقدم نتنياهو أمام جمهوره صورة مغايرة تمامًا للمشهد الذي كان يتشكل حوله: هو يتحدث عن القوة والعمليات العسكرية التي يصفها بالناجحة، بينما يغادر ممثلو دول أخرى القاعة احتجاجًا على سياسات حكومته.

ستارلينك.. رسالة إلى إيران

الاستعراض الثاني كان أكثر ارتباطًا بالحرب مع إيران. رفع نتنياهو جهاز استقبال لخدمة "ستارلينك"، المملوكة لإيلون ماسك، وقال إن التكنولوجيا تتيح للإيرانيين الوصول إلى الإنترنت والتواصل مع العالم الخارجي، في إشارة إلى القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على الإنترنت.

ثم قال إنه سيترك الجهاز لمسؤولي الأمم المتحدة كي يصل إلى الوفد الإيراني، حتى يتمكن أعضاؤه، "عندما ينشقون حتمًا" بحسب تعبيره، من استخدامه للتواصل عبر السوشيال ميديا. وربط نتنياهو ذلك بتوقعه سقوط النظام الإيراني على يد الإيرانيين أنفسهم.

وكانت الرسالة موجهة إلى الداخل الإيراني بقدر ما كانت موجهة إلى الدبلوماسيين الموجودين في القاعة؛ إذ حاول نتنياهو تقديم إسرائيل باعتبارها في مواجهة مع الحكومة الإيرانية لا مع الشعب الإيراني، مستندًا إلى ملف حرية الإنترنت والاحتجاجات الداخلية.

وبعد انتهاء الخطاب، تحولت الرسالة الرمزية إلى مواجهة مباشرة. فقد اقترب السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون من دبلوماسي إيراني، وحاول أن يسلمه جهاز "ستارلينك" الذي استخدمه نتنياهو في كلمته، قائلًا إن الجهاز يمكن أن يساعد الإيرانيين على الوصول إلى الحرية. لكن الدبلوماسي الإيراني لم يرد عليه ولم يتسلم الجهاز.

ولم تعلن الأمم المتحدة، بحسب ما ظهر في التغطيات المتاحة، أن الواقعة تمثل مخالفة لقواعد المنظمة أو أنها تعاملت معها باعتبارها تهديدًا دبلوماسيًا؛ لذلك بقيت في إطار المشهد السياسي والاستعراضي الذي أعقب خطاب نتنياهو.

غزة وإيران.. الرسالة السياسية للخطاب

بعيدًا عن الأدوات التي حملها معه، وضع نتنياهو في خطابه الحرب على إيران في قلب روايته عن السنوات الأخيرة. ودافع عن الضربات الإسرائيلية والأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، قائلًا إن قرار استهدافها كان بالنسبة إليه "من أسهل القرارات" التي اتخذها كرئيس للوزراء، لأنه رأى أن عدم فعل ذلك "لكنا في عداد الموتى".

كما رفض الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، واصفًا الاتهامات بأنها "أكبر كذبة في القرن"، وقال إن إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية، وإنما منعتها، بحسب روايته. وهي اتهامات ترفضها الحكومة الإسرائيلية، بينما تواجه إسرائيل انتقادات دولية واسعة بشأن عملياتها العسكرية في القطاع.

وهاجم نتنياهو خلال الخطاب عددًا من خصوم إسرائيل، بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء القطري، كما دخل في مواجهة مباشرة مع عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي سبق أن وصف نتنياهو بأنه مجرم حرب واتهمه بالمسؤولية عن انتهاكات بحق الفلسطينيين.

وكان حضور ممداني في خطاب نتنياهو متوقعًا سياسيًا؛ إذ سبق أن دخل الاثنان في مواجهة علنية قبل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى نيويورك، بينما كان نتنياهو يخوض حملته الانتخابية في إسرائيل قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات. ووفق رويترز، بثت القنوات الإسرائيلية الرئيسية الخطاب مباشرة في وقت الذروة، ما يعكس أهميته لجمهوره داخل إسرائيل إلى جانب الجمهور الدولي.