صفحة المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية على فيسبوك
الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، 15 سبتمبر 2026

السعودية تطلب دعمًا عسكريًا مصريًا.. كيف يمكن أن تتحرك القاهرة؟

أحمد سعداوي
منشور الخميس 17 أيلول/سبتمبر 2026

بعد يوم واحد من زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة، ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ظهرت مؤشرات جديدة على طبيعة الضغوط التي تواجهها الرياض في حربها المتصاعدة مع جماعة الحوثي في اليمن، كان أبرزها ما كشفته وكالة أسوشييتد برس عن طلب سعودي للدعم الدفاعي من مصر ودول أخرى، بالتزامن مع إعلان قائد قوات حرس الحدود المصرية وجود تنسيق مستمر مع السعودية لتأمين خليج العقبة والامتداد الجنوبي للبحر الأحمر.

وبينما لا تظهر القاهرة أي نوايا للانخراط عسكريًّا في المواجهة، ولا يوجد إعلان مصري عن إرسال قوات أو منظومات دفاع جوي إلى السعودية، فإن التطورات تفتح سؤالًا حول الذي تستطيع مصر تقديمه للرياض في مواجهة تهديد يقترب من باب المندب، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة مع الحوثيين؟

تكتسب الإجابة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، التي يرتبط أمنها مباشرة بالبحر الأحمر وباب المندب، باعتبارهما الطريق الجنوبي المؤدي إلى قناة السويس، في وقت تتقاطع فيه أزمة الملاحة مع اضطراب مضيق هرمز وتعرض طرق تصدير النفط السعودية لضغوط متزامنة.

ونقلت أسوشيتد برس، في تقريرها المنشور أمس الأربعاء عن مسؤولين إقليميين أن السعودية تعاني نقصًا في صواريخ الاعتراض، وأنها طلبت من مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان نشر دعم للدفاع الجوي في المنطقة لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يطلقها الحوثيون.

حسب الوكالة، جاء الطلب مع تراجع مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض، بعدما استُهلك جزءٌ منه خلال الحرب مع إيران، في وقت تعتمد السعودية بدرجة كبيرة على واشنطن في التسليح والدعم العسكري.

لا يتحدث التقرير عن موافقة مصر على الطلب، كما لا توجد مؤشرات معلنة على أن أيًا من الدول التي طلبت منها الرياض المساعدة قدمت دعمًا عسكريًا بالفعل،  إلا أن هذه المعلومة تضع زيارة بن سلمان للقاهرة في سياق أوسع؛ فالرياض لم تعد فقط تواجه هجمات صاروخية ومسيّرة متكررة، إنما تبحث عن بدائل دفاعية في وقت لا تبدو فيه الولايات المتحدة مستعدة للتدخل العسكري المباشر إلى جانبها.

تنسيق مشترك في البحر الأحمر

في اليوم التالي لزيارة ولي العهد للقاهرة، قال قائد قوات حرس الحدود المصرية اللواء أسامة عبد الحميد داود إن هناك تنسيقًا مستمرًا مع السعودية لتأمين الحدود المشتركة ومنطقة خليج العقبة والامتداد جنوبًا في البحر الأحمر.

وأوضح داود في تصريحات للعربية، أن التنسيق يتضمن لقاءات دورية وتبادلًا للمعلومات بشأن إجراءات التأمين، في ظل التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة.

لا يعني هذا التصريح، في حد ذاته، بدء تحرك مصري لمساندة السعودية في الحرب مع الحوثيين. فالتنسيق بين قوات حرس الحدود في الدول المتجاورة يتعلق أصلًا بتأمين الحدود والمياه والمجالات الحيوية المشتركة، وهو ما يؤكد عليه اللواء نصر سالم، أستاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، في حديثه لـ المنصة.

يشير سالم إلى أن التنسيق المصري السعودي في خليج العقبة والبحر الأحمر قائم بصورة دورية، ولا يرتبط بالضرورة بزيارة بن سلمان أو بالتطورات الحالية، موضحًا أن دول الجوار تنسق باستمرار لتأمين حدودها ومنع أي تهديدات عابرة لها.

لكن أهمية التصريح تأتي من توقيته؛ إذ يتزامن مع انتقال القتال إلى منطقة أقرب من الممرات البحرية التي تمثل جزءًا من المجال الحيوي لمصر والسعودية معًا.

ماذا يمكن أن تفعل القاهرة؟

يرى سالم أن أي طلب سعودي للمساعدة سيخضع حتمًا للدراسة من المؤسسات المعنية؛ لتحديد طبيعة التهديدات والمخاطر والقدرات المطلوبة للتعامل معها، قبل اتخاذ قرار بشأن شكل المساعدة.

ويقول إن مصر لا يفترض أن تستبق هذه الدراسة بالإعلان عن سيناريو عسكري محدد، موضحًا أن التعامل مع التهديدات يبدأ بالقدرات السياسية والدبلوماسية والوسائل السلمية، قبل اللجوء إلى القدرات العسكرية.

يشدد سالم على أن القاهرة لا تتأخر عن مساندة دولة عربية إذا طلبت منها المساعدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، إنما تحديد طبيعة التهديد أولًا وما تستطيع مصر التعامل معه.

وتشير هذه الرؤية إلى أن خيارات القاهرة لا تنحصر في إرسال منظومات دفاع جوي أو قوات إلى السعودية، فهناك مستويات أخرى من الدعم، تبدأ من تبادل المعلومات والتنسيق الأمني، وتمتد إلى تأمين المجال البحري المصري ومداخل البحر الأحمر، وربما دعم جهود احتواء التصعيد سياسيًا. وهو ما أشارت إليه أسوشيتد برس، في تقريرها، بأن مصر وسلطنة عُمان تقودان جهودًا دبلوماسية لخفض التصعيد في اليمن، بالتزامن مع مساعي السعودية لحشد حلفائها في مواجهة الحوثيين.

باب المندب في قلب الحسابات

لا تأتي الضغوط السعودية في فراغ. ففي الأيام الأخيرة، وسع الحوثيون سيطرتهم على أجزاء من الساحل الغربي لليمن، واقتربوا من باب المندب، في وقت تتعرض فيه السعودية لهجمات بالصواريخ والمسيّرات.

وأشار تقرير نشرته رويترز أمس إلى أن الحوثيين سيطروا على مناطق استراتيجية تطل على باب المندب وجزر كانت تحت نفوذ السعودية، في تقدم دفع الرياض إلى طلب مساعدة من مصر، بحسب مصادر إقليمية نقلت عنها الوكالة، من دون وجود التزام مصري بالمساعدة.

ويضيف هذا التطور بعدًا مختلفًا للدور المصري. فالقاهرة ليست طرفًا مباشرًا في الحرب اليمنية، لكنها تتأثر مباشرة بأي تغير في أمن البحر الأحمر، نظرًا لانعكاسه المباشر على حركة العبور في قناة السويس، التي تضررت كثيرًا خلال الأعوام الماضية جراء الضربات المتبادلة بين الحوثيين وجيش الاحتلال الإسرائيلي.

ويهدد التقدم الحوثي باتجاه باب المندب واحدًا من أهم طرق تجارة ونقل النفط عالميًا، بينما أدى اضطراب مضيق هرمز في الجهة الأخرى إلى زيادة أهمية الطرق البديلة التي تمر عبر البحر الأحمر.

وبذلك تجد السعودية نفسها أمام ضغط متزامن: هرمز مضطرب شرقًا، وباب المندب تحت ضغط الحوثيين جنوبًا، بينما تعرض خط أنابيب شرق-غرب لهجوم أدى إلى تعطله، ما حد من قدرة المملكة على الاعتماد على مسارات بديلة لتصدير النفط.

بين الوساطة والتورط في الحرب

بالنسبة إلى القاهرة، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا من الاختيار بين التدخل العسكري وعدم التدخل.

فمن ناحية، لا يمكن فصل أمن البحر الأحمر وباب المندب عن الأمن القومي المصري، خصوصًا مع ارتباطه المباشر بقناة السويس. ومن ناحية أخرى، فإن الانخراط العسكري المباشر في الحرب اليمنية يحمل تكلفة ومخاطر مختلفة عن تأمين الحدود والمياه الإقليمية.

ولهذا يرى سالم أن مصر ستبدأ بتحديد طبيعة التهديد، ثم دراسة الأدوات المتاحة للتعامل معه، مؤكدًا أن الوسائل السياسية والدبلوماسية تظل الأساس قبل استخدام القوة العسكرية.

ويقول إن الهدف ينبغي أن يكون منع تحول الصراع إلى اقتتال عربي أوسع، معتبرًا أن أي مواجهة بين أطراف عربية تترك خسائر لجميع الأطراف.

ويضع سالم باب المندب والبحر الأحمر ضمن المجال الحيوي لمصر، مؤكدًا أن القاهرة لن تقبل بوجود تهديد لأمنها القومي أو للأمن القومي العربي في هذه المنطقة.

ويشير إلى أن اتفاق السيسي وبن سلمان على التعاون المشترك يعني أن التدخل المصري بات حتميًا سواء بجهود الوساطة أو الدعم العسكري إذا لزم الأمر.

وفي الوقت الذي تبحث فيه الرياض عن صواريخ اعتراض وشركاء لحماية مدنها ومنشآتها النفطية، وتبحث واشنطن عن مخرج دبلوماسي يبقيها خارج حرب جديدة، تبدو القاهرة أمام معادلة أكثر دقة: كيف تحمي البحر الأحمر ومصالحها فيه، وتساند السعودية، وتستخدم أدواتها السياسية لاحتواء التصعيد، من دون أن تصبح طرفًا مباشرًا في الحرب؟