قضت محكمة جنح عابدين، أمس السبت، ببراءة عابرة جنسيًا من تهمة "اعتياد ممارسة الفجور"، في قضية حرَّكتها الأجهزة الأمنية بناءً على مظهرها الخارجي ودون دليل على ارتكابها، في حكم اعتبرته المفوضية المصرية للحقوق والحريات يؤكد على أن التعبير الجندري المتمثل في سلوك الشخص ومظهره المرتبط بالنوع الاجتماعي "لا يجوز أن يتحول إلى قرينة اتهام".
وتعود وقائع هذه القضية إلى 17 يونيو/حزيران الجاري، حين ألقي القبض على شابة عابرة جنسيًا أثناء مرورها في الطريق العام بمنطقة عابدين، استنادًا إلى عدم تطابق مظهرها كأنثى مع خانة النوع المحررة كـ"ذكر" في أوراقها الرسمية، دون أن ينسب إليها الأمن أي فعل مادي محدد مرتبط بتهمة "اعتياد ممارسة الفجور"، حسبما أكدت المفوضية المصرية في ورقة موقف، أصدرتها تأييدًا للحكم.
وارتباطًا بواقعة القبض، أشارت المفوضية المصرية إلى أنه، وعلى الرغم من تعرض موكلتها في القضية للاختفاء وإنكار وجودها سواء في الكمين أو قسم الشرطة، إلا أنه جرى في اليوم التالي التحقيق معها أمام نيابة عابدين، قبل إحالتها إلى محكمة الجنح بناءً على تلك التهمة، حيث قررت المحكمة في أولى جلسات نظر القضية إخلاء سبيلها وتأجيل الدعوى إلى جلسة لاحقة من نفس الشهر.
وخلال جلسات المحاكمة، دفع الفريق القانوني للمفوضية أمام المحكمة بانتفاء أركان جريمة ممارسة الفجور كليًا من الأوراق، مؤكدًا أن الاتهام قام على مجرد المظهر الخارجي وليس على فعل مجرم، وهو ما يخالف مبدأ الشرعية الجنائية المكفول دستوريًا.
كما شدد الدفاع، حسب بيان للمفوضية المصرية، على غياب ركن "الاعتياد" الذي تشترطه محكمة النقض لتحقق جريمة ممارسة الفجور، والذي يستوجب إثبات تكرار الفعل مع أشخاص مختلفين، مؤكدًأ على أن مجرد وجود الشخص في المجال العام بمظهر مختلف لا ينشئ حالة تلبس ولا يبرر القبض أو الاحتجاز.
وتندرج هذه القضية، حسب المفوضية المصرية، ضمن نمط أوسع من الملاحقات يستهدف العابرين جندريًا عبر قوانين مكافحة الآداب التي وصفتها بـ"الفضفاضة"، مستشهدة في هذا السياق بقضية أخرى مماثلة تصدى لها محاموها مؤخرًا، ألقي خلالها القبض على صانعة محتوى عابرة جندريًا تنشر مقاطع على منصة تيك توك، ووجهت إليها اتهامات مشابهة مرتبطة بالفجور والآداب، قبل إخلاء سبيلها في ظل انتظار محاكمتها أو حفظ التحقيقات.
وأشارت المفوضية إلى أن قضية صانعة المحتوى لم تتوقف عند حد الاستهداف الجنائي فحسب، بل صاحبتها حالة وصم اجتماعي وإعلامي واسعة، تجاهل خلالها الجميع محاولات موكلتهم لتغيير أوراقها الرسمية والحصول على موافقة اللجنة المختصة لإجراء عملية تصحيح الجنس، والتي اصطدمت بالرفض أو التعطيل.
وفي هذا السياق، شددت المفوضية المصرية على رفضها القاطع لاستخدام نصوص قانون مكافحة الدعارة في ملاحقة العابرين والعابرات جندريًا، أو معاقبة الأشخاص على أساس ميولهم الجنسية أو هويتهم الجندرية أو تعبيرهم الجندري.
وإزء ذلك طالبت المفوضية المصرية السلطات، بضرورة حظر الاستيقاف الأمني القائم على الهوية أو التعبير الجندري، مع ضرورة إلزام الجهات الأمنية ببيان الفعل المادي المحدد بدلاً من الاعتماد على أوصاف فضفاضة مثل"التشبه بالنساء"و "المظهر غير الطبيعي".
كما دعت المفوضية إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة للقوانين المستخدمة في ملاحقة العابرين والعابرات، وعلى رأسها قانون مكافحة الدعارة وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وطالبت المفوضية باستحداث مسار قانوني واضح داخل مصلحة الأحوال المدنية يتيح تعديل الأوراق الرسمية بما يتسق مع الهوية الجندرية للأشخاص، بالتوازي مع تطوير آلية عمل لجنة نقابة الأطباء لضمان تقديم رعاية صحية متكاملة وآمنة تحفظ حقوقهم وكرامتهم الإنسانية.