كشفت واقعة اصطياد قرش "ماكو" بمدينة القصير في البحر الأحمر خلال الأيام الماضية، عن أزمة أوسع من مجرد ظهور سمكة قرش قرب الشاطئ، بعدما تحولت الحادثة إلى ساحة جدل بين خبراء البيئة البحرية والعاملين في قطاع الغوص والجهات الرسمية، وسط انتقادات لطريقة التعامل مع الواقعة، وتساؤلات حول مصير مشروع حكومي لرصد وتتبع القروش تعثر منذ سنوات.
البداية كانت مع انتشار مقاطع فيديو على السوشيال ميديا تُظهر مطاردة قرش "ماكو" قرب شاطئ بمدينة القصير قبل اصطياده، في مشهد اعتبره البعض محاولة لحماية المواطنين، بينما وصفه متخصصون بأنه تعامل عشوائي وغير علمي مع كائن بحري نادر الظهور بالقرب من الشواطئ.
الجدل تصاعد بعد نشر المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد بيانًا رسميًا السبت الماضي، انتقد فيه طريقة التعامل مع الواقعة، معتبرًا أن ما حدث "سلوك مرفوض بيئيًا وعلميًا"، ومؤكدًا أن التعامل مع الكائنات البحرية الكبيرة يجب أن يتم وفق بروتوكولات علمية دقيقة وبمشاركة الجهات المختصة، لا من خلال المطاردات والاجتهادات الفردية، لكن البيان حُذف بعد ساعات قليلة من نشره.
ورفضت رئيسة المعهد عبير منير التعليق على أسباب الحذف، وهو ما تكرر مع وزارة البيئة للحديث عن مصير مشروع تتبع القروش بالأجهزة الذي أطلقته الوزارة قبل 3 سنوات، ولم يستجب مدير محميات البحر الأحمر أحمد غلاب لاتصالات ورسائل المنصة حتى وقت نشر التقرير.
"العيب في النظام"
ويرى خبراء البيئة البحرية أن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بوجود القروش في البحر الأحمر، باعتبارها جزءًا طبيعيًا من النظام البيئي، وإنما في غياب إدارة علمية واضحة لكيفية التعامل معها عند اقترابها من الشواطئ.
يقول رئيس مركز غوص "أكوانوت ريد سي" ياسر بهاء، لـ المنصة، إن الغواصين المحترفين لا يتعاملون مع وجود القرش باعتباره حالة ذعر، لأن القروش في أغلب الأحيان لا تهاجم البشر بشكل متعمد، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الحوادث ترتبط بحركات عشوائية من بعض ممارسي السباحة والسنوركل قد تلفت انتباه القرش.
وأكد أن المشكلة الأكبر تكمن في غياب التنسيق بين الجهات المختلفة المسؤولة عن الملف، موضحًا أن كل جهة تعمل بصورة منفصلة، سواء المحميات الطبيعية أو وزارة البيئة أو غرف سياحة الغوص، دون وجود منظومة موحدة لإدارة الموقف أو إصدار قرارات مبنية على معلومات علمية دقيقة.
وكشفت نتائج تشريح القرش، حسب أستاذ الأحياء البحرية بمعهد علوم البحار بالغردقة محمود معاطي، أن السمكة كانت في حالة جوع شديد، "لقينا الكبد لا يتعدى 4.5 كيلو على وزن إجمالي 160 كيلو، ومفروض نسبته تكون من 15 إلى 20% من وزن الجسم، والمعدة كانت خالية تمامًا، القرش كان بيموت من الجوع".
وقال معاطي لـ المنصة، إن قرش "ماكو" من الأنواع التي تعيش عادة في المياه العميقة وبعيدًا عن البشر، وإن ظهوره في منطقة ضحلة يستخدمها الأطفال للسباحة يعد سلوكًا غير معتاد، لكنه في الوقت نفسه انتقد قرار اصطياده دون الرجوع إلى المتخصصين، معتبرًا أن التعامل مع مثل هذه الحالات يجب أن يكون أكثر هدوءًا وتنظيمًا.
خسائر بيئية واقتصادية
وانتقد الخبير في مجال السياحة البيئية والغوص بالبحر الأحمر أيمن طاهر، التعامل مع هذا النوع المهدد بالانقراض وفق تصنيف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN، مؤكدًا أن قتل وتشريح هذه الكائنات يمثل "خسارة بيئية واقتصادية فادحة".
وأوضح طاهر لـ المنصة، أن القروش تمثل العمود الفقري لسياحة الغوص في البحر الأحمر، وأن رحلة السفاري الواحدة التي تستغرق أسبوعًا تبلغ تكلفتها للفرد الواحد نحو 1200 يورو، مؤكدًا أنه بناءً على دراسات سابقة أجريت في منطقة "جزيرة الأخوين" جنوب الغردقة، تبين أن سمكة القرش الواحدة قادرة على إدخال دخل سياحي يقدر بنحو مليوني يورو سنويًا من خلال عوائد رحلات المشاهدة فقط.
في المقابل، رأى أستاذ البيئة البحرية بجامعة قناة السويس محمود حنفي أن قرار التشريح اتُخذ من متخصصين لديهم خبرة علمية، مشيرًا إلى أن فرق المحميات الطبيعية لديها خبرات سابقة في التعامل مع مثل هذه الوقائع.
وأوضح حنفي لـ المنصة، أن التعامل مع الواقعة باصطياده دون تشكيله خطرًا أعطى انطباعًا سلبيًا بشأن طريقة تعامل المصريين مع الحياة البحرية. وتابع "كان الأفضل محاولة إرجاعه للمياه العميقة، لكن في نفس الوقت القرش كان عنده مشاكل واضحة، سواء من حالة الجوع الشديدة أو سلوكه غير الطبيعي، وبالتالي الناس كان عندها خوف حقيقي على الأطفال".
وأضاف أن وجود القرش بالقرب من منطقة يرتادها الأطفال يوميًا دفع الأهالي للتعامل معه باعتباره خطرًا محتملًا، خاصة مع تكرار حوادث هجمات القروش في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية.
وخلال العقدين الماضيين شهدت مناطق متفرقة من البحر الأحمر عدة هجمات لأسماك القرش، بينها حوادث في مرسى علم والغردقة وشرم الشيخ والقصير، أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين من المصريين والسائحين، وهو ما ساهم في ترسيخ حالة من الخوف الشعبي تجاه ظهور أي قرش قرب الشواطئ.
مشروع تتبع القروش المعطل
لكن خبراء البيئة البحرية الذين تحدثوا لـ المنصة يؤكدون أن الحل لا يكمن في اصطياد القروش بشكل عشوائي، إنما في بناء منظومة رصد ومتابعة حقيقية تساعد على فهم سلوك هذه الكائنات والتنبؤ بتحركاتها.
وتوقف برنامج رصد وتتبع سلوكيات القروش العام الماضي بعد 3 سنوات من إطلاقه، رغم تخصيص ملايين الجنيهات له، وفق مصدر مطلع على ملف التنوع البيولوجي بوزارة البيئة تحدث في وقت سابق لـ المنصة.
ووفقًا للمصدر جرى التعاقد على 50 جهاز تتبع حديث بتكلفة بلغت وقتها 5.5 مليون جنيه، لكن تم تركيب 3 أجهزة فقط منها، بينما بقيت بقية الأجهزة مخزنة دون تشغيل حتى الآن.
وأوضح المصدر أن المشروع واجه تعثرًا بسبب "ضعف كفاءة الخبيرة الأجنبية" التي استعين بها في البداية، وتم استبدالها لاحقًا لكن لم تُعلن أي خطة بديلة، ولم يُستأنف العمل بالمشروع رغم مرور ثلاثة أعوام على إطلاقه".
وانتقد المسؤول السابق بقطاع حماية الطبيعة محمود فؤاد غياب برامج الرصد طويلة المدى، معتبرًا أن الجهات الرسمية تتعامل مع كل حادثة بصورة منفصلة، دون وجود قاعدة بيانات علمية متكاملة تساعد في اتخاذ قرارات دقيقة.
وقال فؤاد لـ المنصة إن الدولة تكرر السيناريو نفسه منذ 2006؛ "حادثة قرش ثم مطاردة ثم بيانات إعلامية"، دون بناء منظومة بحثية حقيقية، مشيرًا إلى أن البحث العلمي يجب أن تتولاه الجامعات والمعاهد المتخصصة، بينما يقتصر دور الجهات التنفيذية على الإدارة والتنظيم.
وشكك فؤاد، في نتائج مشروع تتبع القروش "لم نرَ تقريرًا علميًا واحدًا يوضح نتائج أجهزة التتبع، الملف يُدار بعقلية الشخص الواحد، وهذا لن يحقق نتائج، فلا يمكنك إقناع الصياد بخطورة تصرفه إذا لم تكن تمتلك معلومة علمية مدعومة بالدراسة".