شهد مجلس النواب خلال الأيام الماضية 5 طلبات إحاطة لوقف تنفيذ قرار الحكومة بفرض نظام محاسبة جديد على العدادات الكودية في العقارات المخالفة، فيما بدا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمس الاثنين، وكأنه يوجه ردًا لتلك الأصوات المعارضة بإعلانه عدم التراجع عن القرار الذي تسبب في رفع تكلفة الكهرباء على نحو 3.6 مليون عداد.
يسوق النواب حجج عدة تبرر رفضهم للقرار، الذي لاقى معارضة واسعة على السوشيال ميديا من الفئات المتضررة منه، بينما تسعى وزارة الإسكان لطرح حل وسط يحافظ على استمرار النظام الحالي ويخفف العبء على المواطنين قدر الإمكان.
أصوات غاضبة تحت قبة البرلمان
شملت طلبات الإحاطة من النواب كل من أمير الجزار وحسين غيتة وعمرو السعيد فهمي وأحمد بلال وصافيناز طلعت، إضافة إلى سؤال برلماني من النائبة سناء السعيد.
ويقول غيتة لـ المنصة إن "وزارة الكهرباء تواجه شكاوى وغضب المواطنين من هذا القرار غير المدروس بصمت غريب، دون توضيح أي آليات لحل هذه الأزمة أو آليات التعامل مع شكاوى المواطنين".
"رغم تزايد عدد النواب المتقدمين بالطلب نفسه خلال الفترة الأخيرة، لم يحدد المجلس حتى الآن موعدًا لمناقشة الطلبات المقدمة بشأن أزمة العدادات الكودية" كما يقول الجزار لـ المنصة.
ما بدا للنواب صمت حكومي كان أقرب إلى التجاهل، حيث أعلن رئيس الوزراء أمس بشكل صريح عن تمسكه بالاستمرار في نظام المحاسبة الحالي، معلقًا على الجدال الحالي بقوله "طول ما الوضع مخالف من حقى أخذ الإجراءات اللازمة".
والعدادات الكودية تُخصص للمواطنين الذين يحصلون على التيار الكهربائي بصورة غير قانونية، حسب المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء، وقبل القرار الأخير كانت تحاسب بنظام الشرائح التي تتدرج حسب كثافة الاستهلاك، لكن تحت النظام الجديد أصبحت تحاسب بسعر موحد بلغ 2.74 جنيه للكيلووات/ساعة.
وتستند الحكومة إلى فرض النظام الجديد باعتباره إجراء مؤقت يضمن دقة المحاسبة حتى يتم التصالح على العقار المخالف، لكن سكان هذه الوحدات يرون أنهم لم يرتكبوا مخالفة مباشرة تستوجب تحمل التكلفة الإضافية.
وتأتي هذه الإجراءات بعد سلسلة من زيادات تعريفة الكهرباء ضمن خطة لتحرير أسعار الطاقة، كان آخرها زيادة أسعار شرائح الاستهلاك الأعلى بمتوسط 16% للمنزلي، إضافة إلى زيادة أسعار الاستهلاك التجاري بمختلف شرائحه بمتوسط 20%.
ويقول الجزار في هذا السياق" الأزمة لم تعد تحتمل التأجيل.. لازم يبقى فيه حل الناس بتصرخ".
زيادة لا تميز بين غني وفقير
ويستند النواب المعارضون للقرار لعدة أسباب في رفضهم، منها أن التعريفة الموحدة يتم تطبيقها دون تمييز بين الفئات الاجتماعية المختلفة، كما يضيف الجزار "التطبيق ملوش دعوة إذا كان المواطن من الفئات الأولى بالرعاية أو لا.. أي حد عنده عداد كودي اتطبق عليه القرار".
وما يضعف من موقف الحكومة في رأي الجزار هي أنها تعاقب الساكن الذي لم تكن له مسؤولية مباشرة عن حال البناية التي يسكنها "انزل شوف اللي بيسرق الكهرباء فعلًا واعمل حملات على المخالفات، لكن مينفعش تاخد ده من الناس الغلابة".
وتشير سناء السعيد إلى أن الإجراء الأخير غير من طريقة تعامل العديد من السكان الذين اعتادوا على نظام الشرائح منذ وقت بعيد "تعود في بعض الحالات إلى عام 2011" كما تقول لـ المنصة.
وتوضح لـ المنصة أن التطبيق العملي للقرار أدى إلى ارتفاع كبير في قيمة الفواتير على عدد كبير من المواطنين، بعدما انتقل بعضهم من المحاسبة وفق الشريحة الأولى إلى شرائح أعلى بصورة مفاجئة.
قفزات مفاجئة في فاتورة الكهرباء
في الوقت الحالي يعاني سكان العقارات المخالفة من ارتفاعات كبيرة في فاتورة الكهرباء، وفي نفس الوقت صعوبة إجراءات التصالح، ما يزيد من أعباء الضغوط التضخمية الحالية.
ويقول حسن محمد، أحد سكان منطقة حي شرق بمحافظة الإسكندرية، إن استهلاكه الشهري لا يتجاوز 100 إلى 105 كيلووات في فصل الشتاء، لكن الفاتورة الشهرية ارتفعت بعد نظام المحاسبة الجديد من 80 و90 إلى 315 جنيهًا شهريًا.
ويضيف لـ المنصة أنه تقدم برفقة سكان العقار بطلب للتصالح على مخالفات البناء منذ 2020، لكن الإجراءات تعثرت بصورة متكررة، ويوضح "معنا استمارة 3، وبعد تعديل قانون التصالح طلب الحي ملفًا جديدًا بالكامل، رغم أن الملف الأول كلفنا حوالي 20 ألف جنيه".
ويشير إلى أن العقار مكون من خمسة طوابق تضم 10 شقق، وأن أصحاب الشقق فوجئوا باختفاء الملف الأصلي من الحي، مضيفًا "المهندس والموظفة قالوا لنا الملف مش موجود.. قدّموا ملف جديد"، رغم سداد رسوم ومستندات هندسية وشهادات مشتمَلات أكثر من مرة.
وبسبب تعقد الإجراءات، يبدو أن إجراءات الحكومة العقابية أتت بنتيجة عكسية في حالة حسن، حيث يقول إن إحساسه هو والسكان بالإحباط قد يدفعهم للتوقف عن المضي في تقنين العقار "قررنا إننا مش هنكمل تاني في إجراءات التصالح.. عاوزين ييجوا يهدوا البيت ييجوا، فوق دماغنا بعيالنا ونخلص".
وحتى في حالة العقارات الموثقة، قد تقف تكلفة التصالح عائقًا أمام إقبال بعض ملاك العقارات على هذه الخطوة. ويقول سعيد إبراهيم، وكيل لعدد من العقارات السكنية في حي إمبابة، أن بعض حالات التصالح تطلبت رسوم تتجاوز 300 ألف جنيه.
ويضيف إبراهيم لـ المنصة "صاحب العمارة دلوقتي صعب جدًا يدفع المبالغ دي كلها، خصوصًا مع الزيادات اللي بتحصل في كل حاجة".
تيسيرات لاحتواء الأزمة
ربما تكون أول خطوة نحو حل هذه الأزمة هي تسهيل إجراءات التصالح، هذا ما توصلت إليه وزارة الإسكان، والتي تسعى للإعلان عن بعض التيسيرات في هذا الصدد، حسب مصدر بالوزارة لـ المنصة.
وأوضح المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه أن الحكومة تتجه لتقليل التعقيدات المرتبطة بالرفع المساحي والاشتراطات الفنية ضمن إجراءات التصالح، إضافة إلى منح مدد إضافية للمواطنين لاستكمال الأوراق وسداد الرسوم، في محاولة لتشجيع أصحاب العقارات المخالفة على التقدم وعدم البقاء خارج المنظومة الرسمية.
وأشار إلى أن التسهيلات الجديدة تستهدف الربط بين ملفي التصالح والمرافق، ليصبح إنهاء إجراءات التصالح خطوة تضمن استقرار توصيل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والغاز، بدلًا من استمرار الحلول المؤقتة التي تعتمد على العدادات الكودية فقط.
وأشار إلى ضرورة توفير تسهيلات مالية وإجرائية لكل مخالف يرغب في تقنين أوضاعه، في المقابل يتم تطبيق القانون على المخالفات التي ترتكب حديثًا بفرض غرامات مالية كبيرة وعقوبة تصل إلى الحبس.
وكان المصدر نفسه أكد في تصريحات سابقة لـ المنصة وصول عدد الوحدات المخالفة إلى 4 ملايين وحدة عقارية، تتركز في الريف بمعدل يصل إلى ضعف المخالفات المسجلة في الحضر، مشيرًا إلى تسجيل أنواع متعددة من المخالفات أبرزها بناء أدوار دون ترخيص وتغيير النشاط سواء من سكني إلى تجاري أو بالبناء على الأراضي الزراعية، ومخالفة الرسومات الانشائية للترخيص.
وصدرت النسخة الأولى من قانون التصالح في مخالفات البناء وتقنين أوضاعها في العام 2019، بعد نحو 4 سنوات من إعداد التشريع الذي يمس مصالح قطاعات واسعة من المواطنين المالكين للأصول العقارية، قبل تعديل القانون في 2020، وأمام عقبات التطبيق وتخبط الوحدات المحلية في تنفيذ مواده، طالب النواب على مدار السنوات الماضية بتعديله لإزالة التعقيدات الإدارية التي تحول دون التصالح.
بين إصرار رئيس الوزراء على "حق الدولة" في تحصيل مستحقاتها من العقارات المخالفة بسعر الكيلووات الأغلى، واستغاثات المواطنين تحت قبة البرلمان من فواتير باهظة، يبقى نحو 3.6 مليون أسرة رهينة لتعقيدات البيروقراطية، ومع وعود وزارة الإسكان بتيسيرات جديدة في ملف التصالح، تظل الأسئلة معلقة؛ هل ستكون هذه التسهيلات كافية لإقناع "حسن" وأمثاله بالعودة لمنظومة التقنين؟ أم أن الفجوة بين الأعباء الاقتصادية والحلول الإجرائية اتسعت لدرجة تجعل "قطع الخدمة" أهون على البعض من سداد فواتير لا تفرق بين غني وفقير؟