انتقد اقتصاديون وحقوقيون خلال حلقة نقاشية عبر زووم، النموذج الاقتصادي الذي أقرته مؤسسات التمويل الدولية، والذي يوصي بالتقشف ودعم النمو الاقتصادي، محذرين أن كلًا من السياستين السابقتين تنطويان على انحيازات ضد الفئات المهمشة في المجتمع، وخاصةً النساء.
ونظمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ندوةً بالتعاون مع شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، أمس الثلاثاء، تحت عنوان "نحو استعادة العدالة الاقتصادية"، أدارتها الباحثة في المبادرة سلمى حسين، وشارك فيها روبرتو بيسيو من حملة إنهاء التقشف، وكاثرين ويلكنز من منظمة الشفافية الدولية، وبريوني ستين من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا الإسكوا، ولينا أبو حبيب من معهد الأصفري اللبناني.
الإنشاءات.. اقتصاد رجالي
وقال روبرتو بيسيو إن نوع الاستثمار الذي تختاره الحكومات يحدد بدرجة كبيرة النتائج الاجتماعية والاقتصادية التي تنتهي إليها السياسات العامة، موضحًا أن مشروعات البنية التحتية، مثل الأشغال العامة والإنشاءات، هي الاختيار المفضل للكثير من القادة السياسيين، معتبرًا أن هذا التوجه ينطوي على انحياز خفي، إذ إن الكثير من هذه المشروعات مرتبطة بالرجال.
في المقابل، لا تهتم حكومات كثيرة بالاستثمار في التعليم والرعاية بالشكل الكافي، خاصة في المراحل المبكرة من العمر، والذي يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكبر من بعض مشروعات البنية التحتية.
وأوضح بيسيو أن المقصود بالرعاية هنا ليس العمل الخيري أو المساعدات، بل الأعمال والخدمات المرتبطة باستمرار الحياة اليومية، مثل التعليم المبكر، ورعاية الأطفال، وكبار السن، والمرضى، وهي مجالات ترتبط في الواقع اليومي بالنساء بدرجة أكبر.
وخلال العقد الأخير تم توجيه انتقادات عدة لتوسع الدولة المصرية في النشاط العقاري، خاصةً في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، كما يرى حقوقيون أن الحكومة لا تلتزم بالحد الدستوري للإنفاق على التعليم والصحة.
ولفت بيسيو إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لا يزال المؤشر الأساسي الذي تستخدمه الدول لقياس التقدم، رغم أنه لا يعكس بما يكفي الأبعاد الاجتماعية والبيئية، ولا يكشف بالضرورة كيف تتوزع ثمار النمو بين الفئات المختلفة، وهو ما يسهم، حسب رأيه، في استمرار اختلالات قائمة، ويضعف قدرة دول كثيرة على الوفاء بالتزاماتها التنموية.
وخلال العامين الماضيين شهد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي تعافيًا، مع استقرار مؤشرات التضخم وسعر الصرف، لكن لا يزال نحو ثلث المصريين تحت خط الفقر.
التقشف باسم الإصلاح
وانتقل بيسيو إلى نقد سياسات التقشف، معتبرًا أن الكلمة في أصلها الثقافي قد تحمل دلالات إيجابية مثل الاعتدال ونبذ الترف، لكن استخدامها في السياسات الاقتصادية حوّلها إلى أداة لفرض إجراءات قاسية، خاصة على الفئات الأقل قدرة على تحمل الكلفة.
وأشار إلى أن ما كان يُعرف سابقًا باسم برامج التكيف الهيكلي، التي دفعت بها مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في الثمانينات، قام على تقليص دور الدولة، والخصخصة، وفتح الأسواق أمام الاستثمارات الأجنبية، قائلًا "هي سياسات أدت إلى تعميق عدم المساواة، بعدما استفادت منها الفئات الأعلى دخلًا، بينما تحملت الفئات الدنيا العبء الأكبر".
وقال بيسيو إن دراسات حديثة أظهرت أن نحو 80% من سكان العالم يعيشون في دول خفضت الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية تحت مسمى التقشف، رغم أن هذه القطاعات هي الأكثر اتصالًا بحياة المواطنين اليومية، والأقدر على تقليل الفقر والهشاشة.
وقال وزير المالية أحمد كجوك، في مؤتمر صحفي الشهر الماضي، إن الحكومة تستهدف تحقيق أكبر فائض أولي في تاريخ الموازنة خلال العام المالي المقبل، بنسبة 5% من الناتج الإجمالي، لكن خبراء قالوا لـ المنصة في تقرير سابق إن الانكماش القوي في تقديرات دعم المواد البترولية في 2026-2027 قد ينبئ بارتفاعات جديدة في أسعار الوقود.
عمل النساء غير المحسوب في الاقتصاد
في السياق نفسه، ركزت لينا أبو حبيب على ما وصفته بـ"اقتصاد الرعاية"، مشيرة إلى أن العمل غير المدفوع، الذي تقوم به النساء غالبًا داخل البيوت والأسر، لا يزال خارج الحسابات الاقتصادية الرسمية، رغم أنه يمثل أحد الأسس التي تسمح لباقي الأنشطة الإنتاجية بالاستمرار.
وقالت إن المشكلة لا تكمن فقط في أن هذا العمل غير مرئي داخل المؤشرات الاقتصادية، بل في أن هذا الاختفاء جزء من طريقة تصميم النظام الاقتصادي نفسه، إذ تركز المؤشرات التقليدية، وعلى رأسها الناتج المحلي الإجمالي، على العمل المدفوع الأجر، وتتجاهل بشكل منهجي أعمالًا تستهلك وقتًا وجهدًا ومهارات، مثل رعاية الأطفال وكبار السن وإدارة شؤون المنزل.
وأضافت أن هذا العمل لا يُعترف به غالبًا كعمل اقتصادي حقيقي، ولا يخضع لقوانين العمل، فلا توجد ساعات محددة، أو إجازات، أو تأمينات، أو معاشات، رغم أنه يُمكّن أفراد الأسرة الآخرين من العمل والدراسة والمشاركة في الاقتصاد الرسمي.
وحسب دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن النساء في مصر يتحملون أكثر من ضعف أعباء أعمال الرعاية التي لا يُدفع عليها أجر نقدي، مثل رعاية الأطفال وتنظيف المنزل وغيرها.
من جانبها، اعتبرت بريوني ستين أن عدم المساواة في المنطقة العربية ليس طارئًا، ولا يمكن اختزاله في فجوات الدخل أو الثروة وحدها، لأنه يرتبط ببنية السياسات نفسها، وبطريقة توزيع الخدمات العامة، ومعايير الحصول على الدعم أو الحماية.
وأوضحت أن الفوارق لا تتوقف عند إتاحة الخدمة، بل تمتد إلى جودتها، إذ تختلف فرص الحصول على تعليم جيد أو رعاية صحية مناسبة أو حماية اجتماعية فعالة من مكان إلى آخر، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى، بما ينعكس لاحقًا على فرص السكن والعمل والتمثيل السياسي.
وأوضحت ستين ذلك بمثال فتاة صغيرة تنشأ في منطقة ريفية، حيث تكون أكثر عرضة للانتماء إلى أسرة منخفضة الدخل مقارنة بنظيرتها في المدن، ما يضعف فرصها في الوصول إلى تعليم جيد، سواء بسبب ضعف الخدمات في منطقتها، أو بسبب عجز أسرتها عن تحمل تكلفة تعليم أفضل. ومع الوقت، قد تدفعها الضغوط الاقتصادية أو مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة إلى ترك التعليم مبكرًا، لتتراجع فرصها لاحقًا في الحصول على عمل لائق أو بناء استقلال اقتصادي.
وطرحت ستين سؤالًا اعتبرته مركزيًا في تقييم السياسات الاقتصادية: هل يمكن اعتبار النمو الاقتصادي نجاحًا إذا استمر ارتفاع معدلات الفقر؟
وحذرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية العام الماضي من تراجع ترتيب مصر في تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إذ صُنّفت مصر ضمن أسوأ عشر دول عالميًا في هذا المجال.