بين اتهامات بالانحياز لجانب دون الآخر، ونداءات تحذر من "تهديد السلم المجتمعي"، خرجت المسودة الحكومية لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لتواجه عاصفة من الرفض المتبادل.
فبينما يرى آباء متضررون من قانون الأحوال الشخصية بشكله الحالي في مسودة المشروع الحكومي الجديد "انتقامًا" يكرس حرمانهم من أبنائهم، تصفها ناشطات في الحركة النسوية بأنها تضمنت حلولًا "تلفيقية" تتهرب من مواجهة الأزمات الحقيقية، ليصبح العنوان الأبرز لهذه المرحلة "نصوص لا ترضي أحدًا".
وأعلن رئيس مجلس النواب هشام بدوي، الاثنين الماضي، تسلم مشروعات قوانين الأحوال الشخصية والأحوال الشخصية للمسيحيين، مقررًا إحالة 5 مشروعات قوانين مُقدمة من الحكومة و9 مشروعات مقدمة من عُشر عدد أعضاء المجلس، إلى اللجان النوعية لدراستها وإعداد تقارير بشأنها.
صراع "الحضانة"
تُبقي المسودة الحكومية لمشروع القانون سن الحضانة كما هي، بواقع 15 سنة ميلادية، بحيث يستمر الأبناء في حضانة والدتهم المطلقة حتى هذه السن، وتستحق الأم في المقابل طيلة هذه المدة الاحتفاظ بمسكن الزوجية والحصول على النفقات القانونية المقررة من الزوج المُطلِّق.
واعتراضًا على تلك الالتزامات القانونية، لطالما طالب الآباء المتضررون من القانون الحالي بضرورة خفض سن الحضانة، على نحو يسمح لهم بتسلم أبنائهم في سن مبكرة، والتحلل من النفقات والالتزام بتوفير مسكن الزوجية لوالدة أبنائه.
لكن هذه المطالب واجهها إصرار على الناحية الأخرى من الجانب النسوي بضرورة الإبقاء على سن الحصانة كما هي دون العبث بها، حفاظًا على المصلحة الفضلى للطفل، وهو ما جعل نقطة الحضانة هي الفتيل الأكثر اشتعالًا.
وفي هذا السياق، يرى الرئيس الأسبق لمركز المعلومات بمجلس الوزراء أشرف تمام، أن مسودة قانون الأحوال الشخصية التي طرحتها الحكومة مؤخرًا لم تقدم حلولًا حقيقية للأزمات القائمة، بل إنها زادت من تعقيد المشهد، مؤكدًا لـ المنصة أن المشروع الحكومي "مجحف في حق الراجل أكتر من القانون الحالي".
ورغم أن المسودة جعلت الأب في المرتبة الثانية بعد الأم، وهو المطلب الذي جاء على رأس مطالب الآباء في القانون الجديد أيضًا، إلا أن تمام انتقد وبشدة المادة التي استحدثها مقترح الحكومة، والتي تمنع سقوط حضانة الأم في حال زواجها إذا كان الطفل دون السابعة.
وتابع "النهاردة هتلاقي ولادك راجل تاني اللي بيربيهم، والراجل التاني ده بيربي أولاد واحد تالت، فالرجالة بقت قاعدة بتربي ولاد بعض".
ويوافق تمام في هذا الرأي المحامي محمد العشاوي، أحد الآباء المتضررين من القانون الحالي وصاحب الدعوى المنظورة في القضاء الإداري والتي تطالب بإلزام الحكومة بتقديم مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، والذي حذر من بقاء سن الحضانة كما هو، مؤكدًا أن القانون بشكله الحالي "يكدّر السلم المجتمعي".
ويروي العشاوي في حديث لـ المنصة قصصًا من واقع أروقة المحاكم، من بينها قضايا متبادلة بينه هو شخصيًا كزوج أرمل من جهة وشقيق زوجته المتوفاة من جهة، إثر تعديهما على بعضهما البعض بسبب احتفاظ أهل زوجته بحضانة أبنائه، مؤكدًا أنه صدر ضده في هذا النزاع حكمًا بحبسه شهرًا، وفي المقابل حُبس خال أولاده عامًا، عوضًا عن محامٍ آخر يعرفه محال لمحكمة الجنايات في قضية مشابهة، بالإضافة إلى واقعة أخرى ذكرها "لمستشار اتُهم بقطع صباع حماه" أثناء تنفيذ الأخير قرار تمكين من مسكن زوج ابنته.
واعتبر العشاوي أن بقاء سن الحضانة عند 15 عامًا "كارثة" ستترتب عليها مشكلات أمنية واجتماعية خطيرة، مؤكدًا أن هذه النصوص تخلق حالة من الاحتقان قائلًا "أقل ما يمكن أن يقال إن ده انتقام".
وبذات درجة النقد، وصفت وكيلة مؤسسي حزب العيش والحرية "تحت التأسيس"، والناشطة النسوية إلهام عيداروس الحلول المطروحة في ملف الحضانة بأنها "تلفيقية" وتفتقر إلى الإرادة السياسية لمواجهة جوهر المشكلات.
وهنا، تصب إلهام عيدراوس كل نقدها على النص المقترح في مسودة الحكومة، والذي لا يسقط حق الأم الحاضنة في حضانة أبنائها حال زواجها من آخر إذا كان سن المحضون لا يجاوز 7 سنوات.
وأوضحت إلهام عيداروس لـ المنصة أن القانون رغم الحفاظ على سن الحضانة، إلا أنه خلق تعقيدات جديدة تزيد من معاناة الأسر بدلًا من حلها، مستنكرة محاولة الحكومة إرضاء بعض الأصوات دون تقديم معالجة حقيقية لمسألة زواج الأم الحاضنة.
ووصفت مشروع الحكومة بأنه "حل تلفيقي"، مشيرة إلى أنه "بدل ما تواجه مسألة زواج الأم، منعت الزواج عن الاثنين (الأب والأم)، وده حل بيزود المشاكل أكتر ما بيحلها"، مضيفة أن النظام الجديد يؤدي لانتزاع الطفل من أمه بمجرد بلوغه السابعة إذا كانت متزوجة، وفي الوقت ذاته قد لا يذهب للأب إذا كان هو الآخر متزوجًا، واصفة هذه "اللفة" بأنها غريبة جدًا وتسبب عوارًا في شروط الحضانة.
"التخيير" جريمة
وفي السياق، أعرب تمام عن خيبته من استمرار مادة "تخيير الطفل" عند سن 15 عامًا في المسودة الجديدة، واصفًا إياها بأنها "جريمة في حق الطفل".
في المقابل اعتبرت إلهام عيداروس الحديث عن خفض سن الحضانة هو الذي يمثل جريمة في حق الطفل، لكنها وبقدر الرفض ذاته لا تنفي أن استحداث حق "الاستضافة والمبيت" للطرف غير الحاضن هو مبدأ صحيح وحقوقي.
واستطردت "لكن العبرة تظل في ضمانات تنفيذ الاستضافة على أرض الواقع"، وتساءلت "كلام الضمانات والعقوبات جميل نظريًا.. لكن السؤال الحقيقي: فين الجهات التنفيذية اللي هتشرف على تنفيذ الاستضافة وضمان عدم تضرر الطفل أو خطفه أثناءها؟".
وأشارت إلى أن الواقع الحالي يشهد عدم تنفيذ الكثير من أحكام ضم الصغير المختطف لأمه الحاضنة بسبب عدم اعتبار الشرطة لهذه القضايا أولوية، قائلة "الأب اللي كان بيخطف الطفل كان بالفعل عليه عقوبات، لكنها لم تكن تُنفذ، فإيه ضمانات التنفيذ المرة دي؟".
تمييز ديني
ووصفت عيداروس المادة التي تشترط "اتحاد الدين" بين الأم الحاضنة وأطفالها بأنها "مادة شاذة" وتعيد صياغة الظلم ضد المرأة، متسائلة "إزاي نحرم الطفل من أمه بسبب اختلاف الدين؟ الأم هي الأم وعلاقتها بأطفالها لا تتغير".
كما انتقدت ازدواجية المعايير في النص الذي خص الأم بهذا الشرط دون الأب، قائلة "ده تمييز واضح ضد المرأة ومضر جدًا بالأطفال.. إزاي الدولة تسمح بزواج مختلط وبعدين تحرم الأم من حضانتهم لنفس السبب؟".
مشاكل من الخطوبة
وإلى ذلك، حذر أشرف تمام من أن المسودة بشكلها الحالي تمد النزاع القضائي لتشمل فترة الخطوبة أيضًا، مؤكدًا أن المواد المتعلقة برد الشبكة والهدايا ستجعل "المخطوبين كمان هيبقوا في المحاكم".
وانتقد بشدة اعتبار الشبكة "هدية" وليست جزءًا من المهر، قائلًا "الشبكة دي هدية؟ الراجل بيروح يجيب هدية بعشرات الآلاف ولا مئات الآلاف بأسعار الذهب اللي إحنا فيها دي.. ولا دي جزء من المهر؟".
ووصف تمام بعض المواد المستحدثة بـ"العبثية"، خاصة ما يتعلق بتأمين وثيقة الزواج وتوزيع المبالغ في حال وفاة أحد الطرفين، مبديًا استغرابه من آلية توزيع الأموال بالقول "أنا عامل قسيمة جواز من فلوسي والزوجة تموت، الفلوس اللي أنا دفعتها ياخدها الورثة؟ وهي لما أنا أموت تاخدها كاملة والورثة يستبعدوا؟".
لكن مديرة برنامج الوصول للعدالة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية جواهر الطاهر، اعتبرت في تصريحات لـ المنصة، أن من بين إيجابيات هذه المسودة استحداث مواد قانونية واضحة لتنظيم فترة الخطوبة، ووضع ضوابط لتنظيم تعدد الزوجات وإقرار إلزامية إخطار الزوجة الأولى، فضلًا عن إعادة ترتيب الحاضنين ليصبح الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم، وهو ما طالبت به مؤسستها سابقًا لضمان استقرار المحضون ويتشابه مع مشروع القانون الذي أعدته مؤسسة قضايا المرأة المصرية تحت شعار "أكثر عدالة للأسرة" وقدمته في عامي 2022 و2026.
لكنها أيضًا تنتقد حصر نطاق سريان القانون على المصريين المسلمين، متسائلة عن وضع اللاجئين أو المصريين مزدوجي الجنسية في هذا الإطار، في حين أن مواد الولاية على المال تسري على جميع المصريين دون تفرقة.
كما انتقدت حصر المرجعية الفقهية في "أرجح الأقوال من المذهب الحنفي"، واصفة إياها بالمرجعية الأحادية، حيث كان من الأفضل فتح الباب للأخذ بأرجح الأقوال من المذاهب الأربعة.
وفي الأخير، يتفق الخصوم بشكل غير مباشر على ضرورة سحب هذه المسودة؛ كما طالب المحامي محمد العشاوي بضرورة تشكيل لجنة من خبراء علم النفس والاجتماع والتربية، والابتعاد عن "الآراء الفردية"، داعيًا إلى النظر في مشروعات قوانين بديلة، ومنها المشاريع المقدمة من الأحزاب لا سيما حزب العدل، على سبيل المثال.