رصد تقرير حقوقي حديث أصدرته مؤسسة دعم القانون والديمقراطية عن أنماط ممنهجة من "القمع العابر للحدود" تستهدف الإعلاميين والصحفيين السودانيين الذين لجأوا إلى مصر هربًا من النزاع المسلح في بلادهم.
ووثق التقرير، الذي حمل عنوان "الهروب من الحرب لا يعني النجاة"، ما وصفه بـ"أنماط خطيرة" من الانتهاكات تعرض هؤلاء الصحفيين للخطر، تتضمن ملاحقات واعتداءات جسدية وتهديدات رقمية داخل الأراضي المصرية، في محاولة لإسكات الأصوات الناقدة وشهود العيان على انتهاكات الحرب منذ أبريل/نيسان 2023.
ومنذ الأشهر الأولى لاندلاع الحرب في السودان، تفاقمت معاناة الصحفيين السودانيين في ظل استمرار الحرب التي أدت إلى توقف معظم وسائل الإعلام وتشريد الآلاف منهم، حسب تقرير سابق، لنقابة الصحفيين السودانيين، أكدت أن الصحفيين النازحين إلى دول الجوار يعانون ظروفًا إنسانية بالغة الصعوبة، بينما يواجه آخرون مصيرًا غامضًا وعالقًا في المناطق الحدودية جراء تعقيدات إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول.
حصار
ويركز تقرير "دعم القانون والديمقراطية"، وهي مؤسسة مجتمع مدني مقرها برلين أسسها مدافعون عن حقوق الإنسان منفيون من مصر، حسبما تعرف نفسها على موقعها، على ثلاث حالات موثقة لإعلاميين سودانيين تعرضوا لسلسلة متداخلة من الانتهاكات بدأت داخل السودان وامتدت إلى مصر، حسب التقرير، الذي يرصد وقائع إضافية خلال عامي 2025-2026 طالت صحفيين وكتابًا سودانيين في القاهرة.
ووفقًا للتقرير، تظهر الشهادات والوقائع الموثقة أن هذه الانتهاكات لا تمثل حوادث فردية معزولة، بل تندرج ضمن أسلوب ممنهج وصفه التقرير بـ"الحصار الثلاثي الأبعاد"، الذي يجمع بين القمع الميداني عبر الاعتداءات الجسدية والملاحقة المباشرة، والقمع الرقمي من خلال التهديدات وحملات التخوين والتحريض والتشهير، عوضًا عن الضغط القانوني والأمني عبر بلاغات كيدية أو التهديد بالإبلاغ الأمني أو التلويح بالاحتجاز والترحيل.
كما وثقت الشهادات استخدام التهديد بإرسال بلاغات للسلطات المصرية أو التلويح بالترحيل القسري كوسيلة متكررة لابتزاز الإعلاميين ومنعهم من توثيق انتهاكات الحرب.
ومن خلال المقابلات المعمقة والتوثيق الطبي، وثّق التقرير ثلاث حالات منهم صحفي اكتفى التقرير بذكر حروف اسمه الأولى "س.ع"، وأكد أنه تعرض لملاحقة متعمدة بالسيارات مرتين والاصطدام به عمدًا في شوارع القاهرة الكبرى، بالإضافة لحالة مصور "ي.ي" والذي تعرض لاعتداء جماعي أسفر عن إصابات بالغة في ساقيه، وامتد الاستهداف لشقيقه الذي طُعن بسلاح أبيض.
وفيما يخص الإجراءات ضد المعتدين في تلك الوقائع، أقرت المؤسسة بوجود تحديات في تحديد هوياتهم أو الجهات المنفذة، والتي تعمل غالبًا عبر مجموعات مجهولة بزي مدني لإخفاء الجهة المسؤولة والإفلات من المساءلة.
ومع ذلك، أكد التقرير أن دقة المعلومات اللوجستية وتزامن العنف مع حملات التحريض الرقمية يدعم فرضية الاستهداف المنظم والمُسيَّس.
هشاشة
كما لم يخف التقرير أن هذا القمع استفاد بشكل مباشر من "الهشاشة القانونية" التي يعيشها طالبو اللجوء السودانيون في مصر.
وفي هذا السياق، انتقدت المؤسسة تصاعد وتيرة الاعتقالات التعسفية والترحيل القسري للسودانيين، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل إخلالًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951.
وحذّر التقرير من قانون تنظيم لجوء الأجانب في مصر بصيغته الحالية، معتبرًا أنه يسعى لـ"أمننة" منظومة اللجوء عبر منح صلاحيات واسعة للجنة حكومية تستند لمصطلحات فضفاضة مثل "الأمن القومي"، مما يضاعف المخاطر على الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل الصحفيين.
مطالب
وفي الأخير دعا التقرير السلطات المصرية إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية والتوقف عن استخدام إجراءات الاحتجاز أو التهديد بالترحيل كأدوات ضغط، مطالبًا بضرورة فتح تحقيقات جدية في الانتهاكات الموثقة، وتوفير بيئة آمنة للعمل الصحفي.
كما حث التقرير المقررين الخواص للأمم المتحدة المعنيين بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، على إدراج ظاهرة القمع العابر للحدود ضمن تقاريرهم الدورية، مع العمل على تفعيل تدابير الحماية الفورية للصحفيين المعرضين للخطر.
وأوصى التقرير نقابة الصحفيين المصرية بتفعيل دور لجنة الحريات للنظر في الانتهاكات التي تطال الصحفيين السودانيين، ومنحهم عضويات منتسبة أو بطاقات تعريفية تساعدهم في ممارسة عملهم وتذليل العقبات الإدارية، مع توفير الدعم القانوني اللازم لهم في حالات الاعتداء أو الملاحقة.