بينما تلوح في الأفق فرصة أخيرة للتوصل إلى اتفاق مؤقت يوقف إطلاق النار قبل "الجحيم" الذي بشّر به الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب إيران؛ تتسارع وتيرة التحركات العسكرية والميدانية على نحو يعكس استعدادًا للتصعيد وتوسيع رقعة الحرب.
فمع اقتراب انتهاء المهلة التي مددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مساء غد الثلاثاء، بدت إيران منفتحة خلال الساعات الأخيرة ولأول مرة على إجراء مفاوضات لوقف إطلاق النار، شريطة تحقق مطالب تضمن لها تعويضًا عن خسائرها جراء العدوان الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ نهاية فبراير/شباط الماضي.
فعلى لسان المتحدث باسم خارجيتها إسماعيل بقائي، تؤكد طهران أنها صاغت مواقفها ومطالبها ردًا على مقترح حديث نُقل إليها عبر وسطاء، وذلك بعدما كانت ترفض تمامًا الانخراط في المفاوضات وتتمسك بأنها من ستحدد موعد نهاية الحرب كما حدد ترامب موعد بدايتها.
وعن انفتاح طهران على المفاوضات الأخيرة، قال بقائي إن المحادثات "لا تنسجم مع المُهل والوعيد بارتكاب جرائم حرب"، في إشارة إلى تهديد ترامب بأن "الجحيم سيحل" ما لم يتم التوصل إلى اتفاق في مُهل عدة حددها مؤخرًا.
شروط إيرانية
ودون أن يُسميها، أشار إلى أن إيران لديها مجموعة من الشروط القائمة على مصالحها الوطنية وجرى نقلها إلى الوسطاء، لكن نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، قال الخميس الماضي، إن طهران تسعى لمراقبة وإدارة حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، وهو ما يمكِّنها من فرض رسوم مرور "محدودة" على السفن لتعويض خسائرها من الحرب.
وأجل بقائي الكشف عن تفاصيل الرد الذي صاغته إيران على المقترح الحديث إلى وقت لاحق، لكنه أكد في الوقت ذاته أن "المطالب الأمريكية السابقة مثل الخطة المؤلفة من 15 بندًا رُفضت لأنها كانت مُفرطة"، ما يشير إلى أنه رُبما تكون بالورقة الأخيرة بعض التنازلات الأمريكية أو تضمن لإيران أي من شروطها.
ورفضت إيران الشهر الماضي خطة أمريكية مكونة من 15 بندًا تقوم على وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة شهر يُمكن خلالها إجراء مفاوضات على اتفاق شامل، بالإضافة إلى تفكيك القدرات النووية الإيرانية ووضع قيود على عدد الصواريخ الباليستية الإيرانية ومداها، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا كممر بحري حر ومنع أي تهديد للملاحة الدولية فيه.
في مقابل ذلك، كانت إيران تطالب برفع العقوبات وبضمانات بعدم استئناف الحرب، ونهاية الضربات الإسرائيلية على لبنان، ورفضت طرح برنامجها الصاروخي كبندٍ في المفاوضات.
رُبما اليوم
في السياق، نقلت رويترز عن مصدر باكستاني لم تسمه، قوله إن إيران والولايات المتحدة تلقتا خطة لإنهاء الأعمال القتالية ربما تدخل حيز التنفيذ اليوم وتؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز.
وأشار المصدر الذي وصفته الوكالة الدولية بـ"المطلع" إلى أن الخطة تقوم على نهج من مرحلتين، ويبدأ بوقف فوري لإطلاق النار تعقبه اتفاقية شاملة، مضيفًا "يجب الاتفاق على جميع العناصر اليوم"، مردفًا بأن التفاهم الأولي سيُصاغ في شكل مذكرة تفاهم تُستكمل نهائيًا عبر باكستان.
ويُكثف الوسطاء في مصر وتركيا وعُمان وباكستان تحركاتها للتهدئة ومنع تحول الحرب إلى مواجهة نووية أو برية، ومحاولة منع مزيد من الانزلاق نحو الفوضى في المنطقة.
في الشأن ذاته، كشف موقع أكسيوس الأمريكي نقلًا عن أربعة مصادر أمريكية وإسرائيلية وشرق أوسطية لم يسمهم، أن بنود الاتفاق تقضي بوقف للقتال لمدة 45 يومًا بما قد يؤدي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم.
وفي تحرك يكشف مرونة إيرانية في الفترة الأخيرة، ذكرت وكالة فارس الإيرانية أن 15 سفينة عبرت مضيق هرمز "بإذن من طهران" خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وذلك بعدما كانت ترفض عبور أي من السفن للممر الملاحي الذي أعلنت السيطرة عليه وإغلاقه مطلع مارس/آذار الماضي.
وتمنح إيران إذنًا لسفن كل من الصين وفرنسا وتركيا والهند وباكستان بالعبور من المضيق، بينما ترفض مرور أخرى وتوجه ضربات لها، فيما أشارت فارس إلى أن حركة الملاحة لا تزال أقل بنسبة 90% مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
تحركات تعكس المؤشر
وبينما تميل تقارير المفاوضات إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق مؤقت، تشير التحركات الأمريكية إلى واقع مغاير، إذ أفادت هيئة البث الإسرائيلية اليوم، بأن التقديرات في إسرائيل تشير إلى أن الرئيس الأمريكي سيعطي "الضوء الأخضر" لشن هجمات على أهداف الطاقة والبنية التحتية المدنية في إيران.
وذكرت الهيئة أن مصادر دبلوماسية لم تسمها، تعتقد أن تصعيدًا إضافيًا في الحرب الدائرة حاليًا بات محتملاً، رغم تبادل الرسائل عبر الوسطاء.
كما نقلت BBC عن مسؤول في البيت الأبيض لم تسمه بأن الاتفاق "مجرد فكرة من بين أفكار عديدة، ولم يوافق عليها ترامب"، مضيفًا "عملية الغضب الملحمي مستمرة"، موضحًا أن ترامب "سيتحدث بتفصيل أكبر" في مؤتمر صحفي الساعة السادسة مساءً بتوقيت جرينتش (الثامنة بتوقيت القاهرة)، وهو موعد المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي أخيرًا.
حجب صور الأقمار الصناعية عن سماء إيران
وفيما فُسر على أنه "إشارة لحجب صور الحرب وإخفاء الحقيقة"، أعلنت شركة التصوير الفضائي Planet Labs، السبت الماضي، إيقاف خدماتها لنشر مواد مصورة لمناطق في الشرق الأوسط بناءً على طلب ترامب.
وقالت الشركة ومقرها كاليفورنيا، إنها ستوقف إلى أجل غير مسمى نشر المواد المصورة الخاصة بإيران ومنطقة الصراع في الشرق الأوسط، وزعمت أنها "تهدف إلى منع الأعداء من استخدامها لمهاجمة الولايات المتحدة وحلفائها".
وتدير Planet Labs أسطولًا كبيرًا من الأقمار الصناعية لتصوير الأرض وتبيع صورًا يتم تحديثها باستمرار لحكومات وشركات ووسائل إعلام.
من ناحيتها، قالت الناشطة الحقوقية البريطانية سارة ويلكنسون إن الإعلان إشارة إلى أنه سيتم حجب صور الحرب "لإخفاء الحقيقة".
وبينما يكثف الوسطاء جهودهم لإنهاء الحرب التي دخلت أسبوعها السادس، يستمر القصف بلا هوادة حتى موعد كتابة هذه السطور، وسط مخاوف من اتساع رقعة الحرب والصراع في الشرق الأوسط وبما أثر سلبًا أسعار الطاقة وانعكس على اقتصادات جميع دول العالم.