تطورات متسارعة شهدتها ساحة الحرب الإيرانية خلال الساعات الأخيرة باستهداف الولايات المتحدة للبنية التحتية في إيران، ورد الأخيرة بإسقاط عدد من الطائرات الأمريكية فوق أجوائها، وقصف منشآت طاقة في دول الخليج، تزامنًا مع قُرب انتهاء المُهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السادس من أبريل/نيسان الجاري للتوصل لـ"اتفاق سلام" وإلا "سيحل الجحيم".
وبينما قال ترامب أواخر مارس/آذار الماضي إن سماء طهران أصبحت مفتوحة أمام العمليات الأمريكية دون عوائق، وأنه قضى تمامًا على الدفاعات الجوية، تمكنت إيران أول أمس من إسقاط عدد من المقاتلات الأمريكية لأول مرة منذ بدء الحرب التي دخلت أسبوعها السادس.
وبالإضافة لإسقاط الطائرات وما تبعها من مزاعم متضاربة بين ترامب والقوات المسلحة الإيرانية بشأن نجاح وفشل عملية إنقاذ أحد طياري الطائرة التي تحطمت جنوب أصفهان، صعّدت طهران عملياتها بشن الضربات الصاروخية على منشآت طاقة ومصانع كيماوية في الكويت والإمارات والبحرين.
"جحيم سيحل"
تأتي هذه الضربات والعمليات الإيرانية وسط تهديد متصاعد من الرئيس الأمريكي بأن "الجحيم سينزل" حال عدم التوصل لاتفاق ترضخ فيه إيران لشروط عدة من بينها وقف البرنامج الصاروخي وتسليم ما لديها من يورانيوم مُخصب وإعادة فتح مضيق هرمز التي تسيطر عليه طهران منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على أراضيها وقتل عدد من القيادات البارزة.
في مقابل التهديد الأمريكي، تحذر إيران على لسان المتحدث باسم الأركان المركزية إبراهيم ذو الفقار من أن "المنطقة بأكملها ستتحول إلى جحيم" للولايات المتحدة وحلفائها في حال توسع رقعة الأعمال العدائية، مضيفًا أن "وهم النصر" سيتحول إلى "مستنقع" يبتلع القوات المهاجمة.
وسط هذه التهديدات المتبادلة ومع الانتهاء الوشيك لمهلة ترامب المقرر أن تنتهي خلال ساعات، تشير التقارير إلى أن الحرب باتت على موعد مع مرحلة جديدة من الصراع والضغط من أجل تحقيق أحد أهداف ترامب الثلاثة وهي الحصول على اليورانيوم أو النفط بالإضافة إلى فتح مضيق هرمز، بعدما فشلت في تغيير النظام الإيراني باغتيال قادته البارزين.
ميزان القوى
تكشف التطورات الأخيرة عن طبيعة ميزان قوى شديد التعقيد بين واشنطن وطهران، لا يقوم فقط على التفوق الجوي الأمريكي أو كثافة الترسانة الصاروخية الإيرانية، بل على قدرة كل طرف على امتصاص الضربات وإعادة التموضع بسرعة داخل ساحة حرب ممتدة ومتعددة الجبهات.
وبينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا تقنيًا واضحًا في مجالات الاستطلاع الجوي والفضائي، وتنسيق الضربات الدقيقة بعيدة المدى، إضافة إلى قدرات بحرية وجوية ضخمة قادرة على فرض حصار أو ضرب أهداف استراتيجية في عمق إيران، تعتمد طهران في المقابل على نموذج مختلف من الردع يقوم على التشبع الصاروخي، وتوزيع منصات الإطلاق، وتحصين البنية العسكرية تحت الأرض، إلى جانب توسيع شبكة الرد غير المباشر عبر حلفائها الإقليميين.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران رغم الخسائر المتتالية في بعض أنظمة الدفاع الجوي والبنية التحتية، ما زالت تحتفظ بجزء معتبر من قدراتها الصاروخية، وهو ما يمنحها هامشًا للاستمرار في تنفيذ ضربات متقطعة تستهدف الضغط الاقتصادي والأمني على الخصوم، خصوصًا في منطقة الخليج وممرات الطاقة الحيوية.
دعم صيني لكسر التفوق الجوي الأمريكي
قالت القيادة العسكرية المشتركة العليا في إيران إنها استخدمت نظام دفاع جوي جديد يوم الجمعة في استهداف المقاتلات الأمريكية، وتعهدت باستعادة السيطرة الكاملة على سماء البلاد.
ونقلت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية عن متحدث باسم قيادة خاتم الأنبياء قوله إن إيران ستستعيد السيطرة الكاملة على مجالها الجوي.
وتشير تقارير استخباراتية إلى أن الصين تلعب دورًا متزايدًا في إعادة ترميم القدرات الصاروخية الإيرانية عبر تزويدها بمواد أولية وتقنيات ملاحة متقدمة، الأمر الذي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى ميزان الردع، ويمنح إيران قدرة على تعويض بعض خسائرها الإنتاجية بسرعة نسبية.
وتحذر مراكز بحثية من أن استمرار هذا المسار قد يفضي إلى تحول الحرب من مواجهة استنزاف محدودة إلى حرب صواريخ طويلة الأمد منخفضة التكلفة على إيران وعالية الكلفة على منظومات الدفاع الأمريكية وحلفائها، خاصة في ظل محدودية القدرة على اعتراض جميع المقذوفات في بيئة هجوم كثيف.
في المقابل، تراهن واشنطن على استراتيجية مختلفة تقوم على الضربات الدقيقة المتلاحقة واستهداف سلاسل الإمداد والقيادة والسيطرة، وسط التهديدات المتكررة باستهداف البنية التحتية ومخازن الوقود ومحطات الطاقة، في سبيل الضغط للرضوخ للشروط الأمريكية.
ومع اقتراب انتهاء المهلة الأمريكية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر حساسية، لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو الطائرات المسقطة، بل بقدرة كل طرف على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية قابلة للفرض، وهي النقطة التي غالبًا ما تحدد مسار الحروب الحديثة أكثر من نتائج المعارك نفسها.