انتقد خبراء ونقابيون وعمال قرار وزير العمل الصادر مؤخرًا بتحديد الأعمال الخطرة والأماكن النائية، لمنح العاملين فيها إجازات سنوية إضافية بالنظر لطبيعة تلك الأعمال، مؤكدين أن القرار تجاهل قطاعات حيوية ذات خطورة عالية مثل عمال المنصات الرقمية "الدليفري" وعمال الأمن ونقل الأموال.
كما انتقدوا غياب الآليات الإدارية التي تضمن سلامة تنفيذ القرار في ظل تعنت الإدارات ونقص الكوادر الرقابية بوزارة العمل، محذرين من أن زيادة الإجازة السنوية ستظل "مزايا نظرية" لآلاف العمال المحرومين فعليًا من حقوقهم الأساسية في ظل ضعف سلطات الجهات الإدارية لإلزام أصحاب العمل بتنفيذ القرارات.
ونشرت "الوقائع المصرية"، ملحق الجريدة الرسمية، أول أمس الثلاثاء، قرار وزير العمل حسن الرداد، رقم 49 لسنة 2026، الصادر استنادًا لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025، والذي ينص على منح العاملين في الأعمال الخطرة والمناطق النائية زيادة في الإجازة السنوية بواقع 7 أيام، لا يدخل في حسابها الأعياد والعطلات الرسمية والراحات الأسبوعية.
وشملت القائمة قطاعات الصناعات التحويلية، الاستخراجية، الطاقة والإشعاع، البيئة، الزراعة، الصحة، والتشييد والبناء، بالإضافة إلى تحديد محافظات الحدود والمناطق الصناعية الجديدة كـ"مناطق نائية".
تجاهل.. وفجوة في التنفيذ
لا يعد القرار الوزاري، الصادر تنفيذًا لقانون العمل، قرارًا فريدًا أو جديدًا، باعتبار أن الحق في الحصول على إجازات سنوية إضافية للعاملين بالأعمال الخطرة، كان مُدرجًا فعليًا بقانون العمل السابق رقم 12 لسنة 2003، والذي صدر تنفيذًا له قرار وزيرة القوى العاملة آنذاك عائشة عبد الهادي بتحديد القطاعات المستحقة لها، لكن القرار الجديد ضم قطاعات جديدة لم تكن موجودة في سابقه.
وفي هذا السياق يرى الباحث العمالي حسن بربري، في حديث لـ المنصة، أن القرار الجديد، رغم مواكبته للمعايير الدولية والتحذيرات الصادرة عن مؤتمر منظمة العمل الدولية عام 2024، بتناوله قطاعات الطاقة والإشعاع والاقتصاد الأخضر، إلا أنه صدر متجاهلًا قطاعات هامة ذات نسب خطورة عالية، مثل عمال المنصات الرقمية "الدليفري" الذين يتعرضون لمخاطر حوادث الطرق، رغم اعتراف القانون الجديد بهم إلا أنه يظل اعترافًا منقوصًا.
كما يتجاهل القرار عمال النقل واللوجستيات، وعمال الأمن والحراسات خاصة شركات نقل الأموال، حسب حديث بربري.
وتكتمل هذه الفجوة التشريعية بفجوة أخرى في التنفيذ، حسب منسق دار الخدمات النقابية كمال عباس، الذي أكد لـ المنصة أن التنفيذ الأمثل للتشريعات يتوقف على عاملين هامين وجود تنظيم عمالي يستطيع الضغط على صاحب العمل من أجل التنفيذ، وإرادة من الجهة الإدارية المتمثلة في وزارة العمل لإجبار صاحب العمل على التنفيذ.
يضيف عباس أن غياب هذين العاملين هو ما حال دون تنفيذ القرار 77 لسنة 2007 الصادر من عائشة عبد الهادي على الكثير من الشركات التي يستحق عمالها زيادة الإجازة السنوية، لخطورة الأعمال التي يقومون بها.
ويتوقف عباس ليؤكد أن توافر هذين العاملين في الوقت الحالي، هو ما سيحدد إلى أي مدى سيتم تطبيق القرار الجديد، وغيره من القرارات الصادرة من وزارة العمل تنفيذًا لقانون العمل الجديد.
هذا الغياب للرقابة يترجمه واقع عمال وبريات سمنود وشركات سيراميكا إينوفا، والأمراء، إذ أكد عاملين أحدهما نقابي سابق في وبريات سمنود لـ المنصة أنهم حُرموا فعليًا من هذا الحق طيلة السنوات الماضية رغم إدراجهم ضمن قوائم الأعمال الخطرة في القرارين القديم والجديد.
واستبعد العاملين، الذين طالبا عدم نشر اسميهما، أن تنفذ إدارات شركاتهم القرار الجديد، وقال أحدهما إن الشركة تتعنت دائمًا ضد العمال، وتؤخر رواتبهم، وتسعى إلى زيادة ساعات العمل إلى 8 ساعات غير شاملة أوقات الراحة".
فيما يتساءل النقابي السابق "إذا كانت الإدارة لا تعطي العمال أبسط حقوقهم وهي الرواتب، وتحرمهم من الخدمات الطبية والعلاجية، أمام أعين مسؤولي مكتب العمل، فمن يستطيع إجبارها على تنفيذ القرار؟".
وهنا يرى بربري، أن هناك عنصر آخر هام معوق لفاعلية القرار، وهو ما تعانيه وزارة العمل من نقص شديد في عدد المفتشين، مضيفًا "المعيار الدولي هو مفتش لكل 10 آلاف عامل، لم نصل حتى إلى تحقيق نصف هذا المعدل أي مفتش لكل 20 ألف عامل" فضلًا عن "ضعف الوزارة" في مواجهة رجال الأعمال المخالفين لنصوص قانون العمل، حسب وصف بربري.
ونتيجة لغياب الرقابة، قال عامل بشركة سيراميكا الأمراء لـ المنصة "اتعرضنا للتشريد والفصل، سواء من خلال تسريح الإدارة للعمال أو بعد قطع الغاز عن الشركة بسبب المديونية، ووزارة العمل كانت في كل مرة بتقف تتفرج".
فيما قال عامل آخر بسيراميكا إينوفا، إنهم حاولوا منذ سنوات مرات عديد الضغط على الإدارة للحصول على الـ7 أيام زيادة على الإجازة السنوية، لكن الإدارة كانت دائمًا تماطل في ذلك.
استثناء
وفي هذا السياق، تبرز تجربة "لينين جروب" بالإسكندرية كاستثناء وحيد؛ حيث يروي رئيس لجنتها النقابية محمد عبد اللطيف لـ المنصة كيف انتزع العمال الحق في الحصول على الإجازات الإضافية منذ عام 2013، عبر الضغط المباشر على الإدارة وبمساعدة مديرية العمل بالإسكندرية.
وحول تفاصيل انتزاع ذلك الحق، يروي عبد اللطيف "الشركة كان فيها مصنعين، الإدارة رفضت تدي عمالهم إجازات إضافية، بزعم إنهم مش بيشتغلوا في نشاط النسيج المدرج ضمن الأعمال الخطرة، وتحايلت على ده بإن مصنع منهم متخصص في لف الأقمشة بعد نسجها، والآخر في الحصول على الـ7 أيام عام 2013، لكن الضغط على الإدارة أدراج كافة المصانع التابعة للشركة ضمن منظومة الإجازات الإضافية".
لكن هذه النجاحات تظل محصورة، حسب عباس وبريري، داخل القطاع الرسمي، بينما تكمن المعضلة الكبرى على حد وصفهما في العمالة غير الرسمية وعمال اليومية في الزراعة، ممن يظلون خارج نطاق أي حماية قانونية.
وفقًا لبريري "مهما بلغت درجة خطورة أعمال هؤلاء، فإن غياب العقود الرسمية يحرمهم سلفًا من أي حقوق مالية أو تأمينية أو متعلقة بالراحات والإجازات، مما يجعل قرار الوزارة الجديد عديم الأثر على الفئات الأكثر عرضة للمخاطر في سوق العمل".
يشار أيضًا إلى أن القرار الجديد تضمن قائمة بالمناطق النائية والتي يستحق عمالها 7 أيام زيادة على الإجازة السنوية، وضمت محافظات شمال، وجنوب سيناء، البحر الأحمر، مطروح، الوادي الجديد، ومناطق توشكى، شرق العوينات، والمناطق الواقعة من قرية الزعفرانة/رأس غارب، حتى الحدود المصرية السودانية بمنطقة حلايب جنوبًا وبعمق 5 كيلومترات، إضافة إلى المناطق الصناعية الجديدة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء باعتبارها مناطق نائية.