أصدر المنبر المصري لحقوق الإنسان، اليوم، تقريره السنوي حول الانتهاكات التي يواجهها النشطاء الحقوقيين والسياسيين المصريين في الخارج، والتي عدّها معتز الفجيري مؤسس المنبر في حديث لـ المنصة، لا تستهدف فقط ترهيب المعارضين ومنعهم من ممارسة أنشطتهم، بل تسعى لقطع صلتهم بالبلاد ومنعهم من التفكير في العودة إلى مصر.
وسبق للمنبر المصري، إصدار تقرير مماثل لرصد بداية ظهور تلك الانتهاكات في سبتمبر/أيلول 2024، وثّق خلالها معاناة النشطاء المصريين في الخارج، من خلال ملاحقتهم أمنيًا من قِبل السلطات المصرية بغض النظر عن بلد إقامتهم.
لكن المختلف في التقرير الصادر اليوم تحت عنوان "أينما ذهبوا"، حسب الفجيري، أنه استند إلى نطاق بحث أوسع شمل عددًا أكبر من الدول التي تم فحص الانتهاكات بها، بالإضافة إلى رصد عدد أكبر من الحالات الموثقة للمصريين في الخارج.
وأوضح الفجيري أن التقرير لا يستهدف "الانتقاد من أجل الانتقاد"، وإنما يسعى إلى طرح حلول عملية لأزمة مئات المصريين الذين يعيشون في الخارج قسرًا منذ أكثر من عقد، مقترحًا تشكيل لجنة وطنية تضم منظمات حقوقية مستقلة وحقوقيين من المهجر، للنظر في شكاوى النشطاء وتأمين حقهم في العودة دون خوف من الملاحقة.
بنية قمعية متكاملة
وفيما بدا وكأنه خيبة أمل، أكد التقرير أن إطلاق الحوار الوطني داخليًا في أبريل/نيسان 2022، لم يصحبه أي تطور إيجابي في تعامل السلطات مع نشطاء ومعارضي الخارج بل على العكس "تمدّد القمع خارج الحدود، وتحولت أدوات الدولة إلى ما يُشبه بنية استهداف عابرة للحدود".
ويعرّف التقرير هذا النمط من القمع بوصفه "الأفعال والإجراءات التي تقوم بها السلطات المصرية خارج إقليمها، أو تمتد آثارها القمعية إلى ما وراءه، بهدف إسكات أو معاقبة أفراد في دول أخرى أو من يرتبطون بهم في مصر، بسبب نشاطهم السياسي أو الحقوقي أو آرائهم".
وعدّد من بين هذه الأدوات إساءة استخدام آليات التعاون الشرطي الدولي، والتجريد من الوثائق والجنسية، والضغط القنصلي، والملاحقات القضائية، والمراقبة الرقمية، وحملات التشهير والتحريض، إلى جانب استهداف الأسر والروابط الاجتماعية والاقتصادية.
وفيما يتعلق بحرمان النشطاء من تجديد الوثائق الرسمية، نوه التقرير إلى أن ما وصفه بـ"العقاب القنصلي" لم يقتصر على مجرد المماطلة الإدارية، بل وثق حالات لأطفال مصريين في سن ما قبل المدرسة (في بريطانيا وتونس وتركيا) رُفض استخراج شهادات ميلاد أو أوراق ثبوتية لهم بسبب نشاط آبائهم.
ووصف التقرير هذا المسلك بأنه "تعدٍّ صارخ على حق المواطنة"، يهدف لقطع صلة المعارضين بوطنهم الأم وجعل وضعهم القانوني في دول المضيف أكثر هشاشة.
وفي هذا السياق، حذر الفجيري مما وصفه بـ"اكتمال بنية القمع العابر للحدود" التي تنتهجها السلطات المصرية، مؤكدًا أنها لم تعد مجرد "حالات عشوائية" أو حوادث فردية، بل تحولت إلى منظومة متكاملة من الأدوات المترابطة التي تستهدف محاصرة المعارضين والحقوقيين أينما ذهبوا.
وأوضح الفجيري أن هذه البنية القمعية تعتمد على "تكامل الأدوار"؛ إذ يبدأ الاستهداف بحرمان المواطن من وثائقه الثبوتية، ليلحق ذلك فورًا فتح تحقيقات وقضايا ضده تنتهي عادة بصدور أحكام غيابية، وصولًا إلى الإدراج على "قوائم الإرهاب" وتهديد الأسر بالداخل.
وأشار الفجيري إلى أن قاعدة البيانات التي رصدها المنبر وثقت نحو 84 انتهاكًا، مشيرًا إلى ارتباط وثيق بين أنماط القمع؛ حيث يتعرض الشخص الواحد لأكثر من نمط في آن واحد، كأن يُحرم من تجديد جواز سفره بينما تلاحقه أحكام غيابية وتتعرض أسرته في مصر لمخاطر أمنية، مما يخلق حالة من الحصار الشامل.
مقايضة
وحسب التقرير، كشف استبيان نوعي أجراه المنبر المصري أن 72% من المشاركين في استطلاع رأي، شمل 34 ناشطًا وحقوقيًا في المهجر، أفادوا بتعرض أفراد من عائلاتهم داخل مصر لمداهمات أمنية أو استدعاءات أو منع من السفر "في إجراءات انتقامية تهدف للضغط على ذويهم في الخارج".
وفي هذا السياق، قال الفجيري "معظم الحالات التي تم فيها تهديد الأقارب والأسر أو اعتقال الآباء أو الإخوة، بيكون هدفه فعلًا استهداف الناشط في الخارج".
واستشهد الفجيري بحالة ناشط يدعى سيف الإسلام عيد "مقيم في قطر وبيعمل بودكاست عن المعتقلين وتجارب سجناء الرأي السابقين؛ والده اعتُقل، اتعذب، وما زال في المعتقل حتى الآن وبيواجه قضايا غريبة جدًا، ووالده غير مسيس تمامًا".
وقال الفجيري إن تلك الانتهاكات استهدفت "مقايضة سيف ومحاولة ردعه وأيضًا الانتقام منه"، موضحًا أن ما توافقوا على تسميته "انتهاكات بالوكالة" هدفها "إنك تبقى حاسس بالرهبة وتبقى أسير وعندك رقابة ذاتية، خايف على أسرتك".
ويجزم الفجيري بأن عدد الانتهاكات التي رصدها التقرير لا يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة؛ إذ أن الكثير من الضحايا يرفضون الإفصاح عن أسمائهم أو توثيق حالاتهم علنًا، خشية الانتقام منهم أو تعرض عائلاتهم في مصر لمخاطر أمنية، وهو ما يعني أن "الأعداد الفعلية أكبر بكثير مما يتخيله البعض".
مطالب بالتسوية
وجدد التقرير توصياته بضرورة إطلاق "مبادرة رسمية" لتسوية أوضاع المصريين في الخارج، وتأمين حق العودة دون خوف من الملاحقة، وإنهاء "سياسة الرهائن" التي تتبعها السلطات مع أسر النشطاء.
وفي هذا السياق، دعا الفجيري السلطات المصرية إلى التعامل "بجدية" مع نتائج التقرير ، مشددًا على أن استمرار النزوح القسري للمعارضين وتراكم الانتهاكات ضدهم وضد أسرهم في الداخل يتطلب إرادة سياسية لتغيير هذا المسار.
وأكد أن إدماج النشطاء في وطنهم هو السبيل الوحيد لإنهاء هذه الأزمة التي طال أمدها، بعيدًا عن سياسات الملاحقة التي لم تعد تراعي حدودًا جغرافية ولا قوانين دولية.
ويلقى الملف الحقوقي في مصر انتقادات عدة، منذ سنوات. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وجهت المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة مذكرة رسمية إلى الحكومة المصرية، حثتها فيها على اتخاذ خطوات "واضحة وملموسة" لمعالجة "الانتهاكات المستمرة" في عدد من الملفات الحقوقية الرئيسية.
وفي فبراير/شباط الماضي، أصدر الفريق المعني بالاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة/UPR، تقريره الخاص بمراجعة السجل المصري في حقوق الإنسان، متضمنًا 343 توصية حقوقية من 137 دولة، أبرزها مكافحة الإخفاء القسري وإنهاء تدوير المحتجزين والإفراج عن المعتقلين السياسيين وضمان حرية الإعلام.