قالت المحكمة الإدارية العليا في حيثيات حكم قضائي أودعته الشهر الماضي، واطلعت عليها المنصة اليوم، إن تراخي وتأخر الشاكيات عن الإبلاغ عن وقائع التحرش في حينها، يلقي بظلال كثيفة من الشك حول صحة ومصداقية ما ورد بالشكوى من اتهامات، وخفّضت المحكمة بناء على ذلك العقوبة الموقعة على أستاذ في كلية طب الأسنان جامعة عين شمس.
وبرأت المحكمة الأستاذ من تهمة التحرش بثلاث طالبات، وانتهت إلى إدانته بتهمة إهانة عميد الكلية، وقررت الاكتفاء بتوقيع عقوبة اللوم فقط، بعد تعديل الحكم الصادر ضده من مجلس تأديب أعضاء هيئة تدريس جامعة عين شمس بمجازاته بعقوبتي اللوم وتأخير العلاوة.
وفي حيثيات حكم البراءة من تهمة التحرش، قالت المحكمة إن هذه المخالفة تم نسبتها إلى الطاعن بناء على الشكاوى الثلاثة التي تقدمت بها ثلاث طالبات بالدراسات العليا، والتي تضمنت اتهامات للأستاذ بالتحرش بالشاكيات لفظيًا وجسديًا حال قيامه بالإشراف على رسائلهن العلمية.
وأضافت المحكمة أنه لما كان قرار مجلس التأديب بإدانة المتهم استند إلى أقوال الشاكيات فقط دون تأكيدها بأي دليل آخر، فلا يمكن القول أو التسليم به، إذ أنه ووفقًا لما استقرت عليه الأحكام القضائية لا تقبل شهادة الشاكي وحدها في مجال الإدانة لأنه يقف في موقف الخصم من المتهم.
وأشارت المحكمة إلى أن أقوال الشاكيات بمحاضر التحقيق تبين منها أن الادعاء بتحرش المتهم بهن تم منذ فترات زمنية ليست بالقريبة نسبيًا، حيث أفادت إحداهن أن المتهم تحرش بها عام 2016، فيما أفادت الثانية في شكواها أن الواقعة حدثت عام 2014، أما الثالثة فأكدت تحرشه بها عام 2016، في حين أنهن تقدمن بالشكوى مجتمعة عام 2018.
وتابعت المحكمة "الأمر الذي يلقي بظلال كثيفة من الشك حول صحة ومصداقية ما ورد بتلك الشكاوى من اتهامات في حق الطاعن، وذلك لعدم مبادرتهن إلى التقدم بتلك الشكاوى فور حدوث الواقعة والتمسك بتحريك الدعوى التأديبية ضد الطاعن والإجراءات الجنائية إن لزم الأمر".
لكن مديرة وحدة المساعدة القانونية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير فاطمة سراج، تخوفت من أن يؤثر ذلك الحكم على قضايا التحرش المنظورة أمام المحاكم، حال أخذ المحاكم بالاتجاه الوارد فيه، قائلة "نأمل أن تحظى قضايا التحرش الجنسي بمعاملة خاصة من المحاكم بحيث يتم الحكم في كل واقعة بحسب ظروفها وملابساتها، لأن كل واقعة مختلفة عن التانية".
وأضافت سراج لـ المنصة،"في تقديري أن مسألة التأخر في الإبلاغ عن وقائع التحرش لا تمثل عائقًا أمام الضحايا لنيل حقوقهن، وبالتالي استند الحكم لفكرة خاطئة لأنه كان من الواجب على المحكمة أن تأخذ بعين الاعتبار أن الضحايا طالبات من المؤكد أنهن عانين من خوف شديد قبل إبلاغهن عن تلك الوقائع".
وقالت حيثيات الحكم إن جريمة التحرش من المفترض أن تدفع الضحية، بلا أدنى ريبة إلى المبادرة في حينه دون تراخي إلى إبلاغ السلطات المختصة لاتخاذ إجراءاتها التأديبية والجنائية ضد المتحرش.
وعقبت سراج "المحكمة لم تراعي فكرة أن إبلاغ الضحايا في وقائع التحرش عن أشخاص لهم سلطة عليهن بيبقى حاجة مش سهلة تمامًا بأي شكل من الأشكال، حتى لو قعدت 6 أو 7 سنين علشان تاخد قرار إنها تبلغ"، معتبرة أن المحكمة بهذا الحكم استندت إلى "أفكار ذكورية قديمة لا تراعي الضغوط والمشكلات النفسية التي تمر بها الضحية وصولًا لقرارها بالإبلاغ عن التحرش".
في غضون ذلك، قال الحكم في حيثياته عن المخالفة الثانية المنسوبة إلى المتهم والتي تتمثل في خروجه عن حدود اللياقة في التعامل مع عميد الكلية، إنها ثابتة في حقه ثبوتًا يقينيًا من واقع التحقيقات، وبإقرار الطاعن نفسه أنه حدثت مشادة كلامية بينه وبين عميد الكلية، طرد إثرها العميد من مكتبه.
وأضافت الحيثيات أن الطاعن أخل بما تفرضه الوظيفة العامة من واجب احترام الرؤساء والزملاء في العمل، وخرج عن القيم والمبادئ الأخلاقية الجامعية الأصيلة، والتي تمنعه من القيام بأي أعمال من شأنها التقليل من احترام أعضاء هيئة التدريس وبخاصة الرؤساء منهم.
وانتشرت خلال السنوات الماضية عدة حملات مثل "مي تو" أو "أنا أيضًا" ضمن الحملة العالمية التي تحمل نفس الاسم، وحملة عبر مدونة دفتر أحوال، لتشجيع النساء اللاتي تعرضن للتحرش للإبلاغ عن تلك الوقائع، ما فجر قضايا عدة، أشهرها قضية الطالب أحمد بسام زكي، والذي صدر حكم نهائي في حقه بالسجن 8 سنوات في أغسطس/آب الماضي.