"نحو الرحيل أو الفناء".. تقرير حقوقي يتتبع سياسات الحكومة لـ"محو وجود البهائيين" في مصر
طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بإصدار قرارات تنفيذية عاجلة لتسهيل توثيق عقود زواج وطلاق البهائيين وتعيين موثقين معتمدين لها بالشهر العقاري، فضلًا عن تخصيص أراضٍ لمدافنهم بالمحافظات، منتقدة ممارسات الدولة بحقهم، التي تحولت على مدى العقد الماضي من عقبات تمييزية تعيق تمتعهم بحقوقهم القانونية إلى سياسة منهجية "تستهدف على المدى الطويل محو وجودهم".
جاء ذلك في تقرير حقوقي جديد أطلقته المبادرة المصرية، اليوم الثلاثاء، بعنوان "نحو الرحيل أو الفناء: جهود الدولة المصرية لمحو مواطنيها البهائيين"، تتبعت فيه المؤسسة السياسات الرسمية المفروضة على المواطنين البهائيين وتفاعلاتهم معها منذ صدور الحكم القضائي التاريخي عام 2009، والذي أتاح وضع "—" أمام خانة الديانة بالأوراق الثبوتية بدلًا من نسبهم لديانات لا يعتنقونها.
وحسب المبادرة المصرية، يتزامن إطلاق ذلك التقرير بالقاهرة، مع ندوة تنظمها المؤسسة غدًا في جنيف على هامش الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بالشراكة مع منظمة العفو الدولية والجامعة البهائية العالمية، بمشاركة مدير المبادرة حسام بهجت، والمقررَيْن الأمميين الخاصين بحرية الدين والمعتقد وشؤون الأقليات.
ومنهجيًا، اعتمد التقرير الحقوقي على 30 شهادة ميدانية ومقابلة مُعمّقة مع 13 مواطنًا بهائيًا، إلى جانب تحليل 42 حكمًا قضائًّا في قضايا الأحوال الشخصية ومقابر البهائيين أصدرتها درجات المحاكم المختلفة والمحكمة الإدارية العليا.
وتوصل التقرير إلى أن "المكسب المُنتزع بشق الأنفس عام 2009 والخاص بحكم الـ(—) تحوَّل بمرور الوقت إلى أداة بيروقراطية تعترف شكلًّا بوجودهم، وتُنكر عليهم منهجيًّا حقوق المواطنة الأساسية".
ويرصد التقرير انعكاس سياسات ما سماه بـ"المحو الإداري" على أدق التفاصيل اليومية للمواطنين البهائيين طوال مراحل حياتهم وحتى الموت، بدايةً من تعثر إصدار شهادات ميلاد الأطفال وتأخر الحصول على التطعيمات الدورية، وتجريد الأمهات البهائيات من حق تمرير الجنسية المصرية لأبنائهن من أزواج أجانب.
ووفقًا للتقرير، يمتد ذلك الحصار البيروقراطي ليشمل المعيشة والعمل والتنقل، عبر الاستدعاءات الأمنية المتكررة والتضييق عليهم في المواني والمطارات، وصولًا إلى تقليص مساحات الدفن المتاحة لغير أتباع الأديان الثلاثة عقب رفض المحافظات ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر تخصيص أراضٍ جديدة لاستعمالها مقابر للبهائيين، ما يجبرهم على نقل جثامين موتاهم لمسافات طويلة باتجاه المقبرة الوحيدة المتبقية في حي البساتين بالقاهرة.
وفي هذا السياق أوصت المبادرة بتشكيل لجنة بالأحوال المدنية لتثبيت وضع علامة الـ"—" بخانة الديانة في بطاقة الرقم القومي للمواطنين البهائيين، فضلًا عن إنهاء مراقبتهم أمنيًا ورفع أسمائهم من قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، مؤكدة أن هذه المطالب المباشرة لا تتطلب سوى إرادة سياسية لكفالة حقوق المواطنة المتساوية.
كما يرصد التقرير توسع القضاء في استخدام ذريعة "النظام العام" كغطاء قانوني لتقييد حقوقهم، معتبرة أن هذه الممارسات تضع البهائيين أمام خيارات حدية "إما الرحيل أو الفناء"، في مقابل إصرار المجتمعات البهائية على مقاومة المحو وخلق مسار ثالث لنيل حقوقهم المشروعة.
وفي أبريل/نيسان، أرست محكمة النقض، دائرة الأحوال الشخصية، مبدأً قانونيًّا حاسمًا بشأن التعاملات الرسمية المتعلقة بمعتنقي الديانة البهائية، ألغت بموجبه حكما استئنافيًّا وآخر ابتدائيًّا كانا أقرَّا بإثبات زواج شخصيين بهائيين.
وأكدت المحكمة، في حيثيات حكمها الصادر في الطعن رقم 39 لسنة 94 قضائية "أحوال شخصية"، برئاسة نائب رئيس المحكمة، رفضها القاطع لدعوى إثبات الزواج التي أقامتها زوجة "بهائية"؛ لإلزام الجهات المعنية بالاعتداد بعقد زواجهما المؤرخ في سبتمبر/أيلول 1981 والعمل بموجبه.
واستندت المحكمة في قضائها إلى أن الديانة البهائية "تخرج عن الأديان السماوية الثلاثة المعترف بها في الدولة (الإسلام، المسيحية، واليهودية)"، مشددة على أن ممارستها تتضمن "مساسًا بالنظم المستقرة في الدولة والنظام العام".