300 حساب وهمي.. كيف استُخدم "كلود" في حملة تأثير مرتبطة بالإمارات؟
كشفت شركة أنثروبيك، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، عن استخدام نموذجها في عمليات تأثير سياسي ومراقبة رقمية، من بينها حملة قالت إنها ربطتها، بدرجة ثقة عالية، بمسؤولين حكوميين إماراتيين.
وأوضحت الشركة في تقرير نشرته الخميس الماضي، أن إحدى العمليات أدارها شخص واحد، واستخدم فيها "كلود" لإنتاج محتوى سياسي وحقوقي، وإدارة معلومات عن أشخاص مستهدفين، إلى جانب تشغيل شبكة تضم نحو 300 حساب زائف على منصات السوشيال ميديا.
ولم تذكر أنثروبيك أسماء المسؤولين الإماراتيين الذين ربطت بهم العملية، كما لم يثبت تقريرها أنهم كلفوا بتنفيذها أو أنهم تسلموا المواد التي أُعدت خلال الحملة.
بحسب التقرير، استخدم الشخص الذي أدار العملية "كلود" لإنتاج مواد سياسية وحقوقية وتقديمها في صورة تبدو مستقلة عن الجهة التي تقف وراءها.
وأعد الشخص ملفًا ثابتًا من التعليمات يستخدمه مع النموذج للحفاظ على المهمة نفسها عبر مئات المحادثات. ووصف الملف العملية بأنها حملة "منسقة عابرة للأطلسي وإقليمية لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين عالميًا".
ووفق التقرير كان المستخدم يحدد الموضوعات والأشخاص المستهدفين والموقف السياسي المطلوب، ثم يطلب من "كلود" تحويل هذه المعلومات إلى بيانات مكتوبة بأسلوب يشبه التقارير الاستخبارية، إلى جانب تقارير وشهادات وملفات شخصية.
وقالت أنثروبيك إن ملف التعليمات أشار أيضًا إلى مسؤولين إماراتيين كبار باعتبارهم متلقين مقصودين لبعض المواد التي تنتجها العملية.
لكن التقرير لا يوضح ما إذا كان ذكر هؤلاء المسؤولين جزءًا من الأدلة التي اعتمدت عليها الشركة في إسناد العملية إليهم، ولا يثبت أنهم كانوا على علم بها أو أصدروا تعليمات بشأنها.
وكانت وكالة فرانس برس قالت إنها طلبت تعليقًا من الجانب الإماراتي بشأن ما ورد في تقرير أنثروبيك، لكنها لم تتلق ردًا فوريًا.
لم تقتصر العملية على إنتاج المحتوى، إذ أنشأ الشخص الذي يقف وراءها وأدار ومول شبكة تضم نحو 300 حساب على السوشيال ميديا.
وبحسب أنثروبيك، صُممت الحسابات لتبدو وكأنها تعود إلى أشخاص مختلفين ولا علاقة بينهم، بينما كانت تعمل بصورة منسقة وتكرر رسائل سياسية متقاربة.
وكان إخفاء المصدر الحقيقي للحملة جزءًا أساسيًا من طريقة عملها. فبدلًا من نشر الرسائل باعتبارها صادرة عن جهة واحدة، كانت تظهر عبر حسابات متعددة تبدو مستقلة، بما يساعد على إخفاء طبيعة النشاط والجهة التي تقف وراءه.
وتقدم أنثروبيك مثالًا على ذلك من خلال منشورات ظهرت على إكس في 4 يونيو/حزيران الماضي تحت وسم "#SudanIslamists". ونشرت حسابات متعددة رسومًا ورسائل متشابهة تربط جماعة الإخوان المسلمين في السودان بعدم الاستقرار الإقليمي.
انتحال مؤسسة حقوقية
استخدمت العملية أساليب أخرى لإضفاء مظهر مستقل على المواد التي تنتجها.
فبحسب أنثروبيك، أنشأ الشخص الذي أدار الحملة واجهة تنتحل هوية مؤسسة حقوقية قائمة بالفعل، ونشر باسمها تقارير قالت الشركة إن الحملة أعدتها.
ولم تكشف أنثروبيك اسم المؤسسة التي جرى انتحالها. ويشير التقرير إلى مؤسسة أصلها سويسري، ثم يتحدث عن مؤسسة حقوقية سودانية، من دون أن يوضح بصورة قاطعة ما إذا كان الوصفان يشيران إلى المؤسسة نفسها أم إلى جهتين مختلفتين.
كما استخدم "كلود" في إعداد شهادتين باسم شخصين آخرين، بهدف تقديمهما أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال دورته الثانية والستين.
وتضمنت التعليمات الخاصة بإعداد الشهادتين عدم ذكر الإمارات، بحسب التقرير، بما كان من شأنه تقديم المواد باعتبارها شهادات محلية مستقلة، وليس رسائل أعدتها جهة سياسية.
ولا تستطيع أنثروبيك تأكيد ما إذا كانت الشهادتان وصلتا بالفعل إلى الجمهور المستهدف. وفي الوقت نفسه، يشير الملخص العام لتقريرها إلى أن شهادة كتبها النموذج بالنيابة عن آخرين أُلقيت خلال جلسة حية لمجلس حقوق الإنسان.
وينعكس هذا التحفظ أيضًا في إمكانية التحقق المستقل من الواقعة؛ إذ لم تنشر أنثروبيك نص الشهادتين أو أسماء الشخصين اللذين أُعدتا باسمهما.
وكانت الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان انعقدت بين 15 يونيو و8 يوليو/تموز 2026، وفق أرشيف المجلس، لكن المعلومات التي نشرتها أنثروبيك لا تكفي لمطابقة الشهادتين مع مداخلة محددة في سجلاته.
استهداف صحفيين وبرلمانيين
شملت العملية كذلك جمع معلومات عن أشخاص يشاركون في النقاشات المتعلقة بالقضايا التي تستهدفها الحملة.
وقالت أنثروبيك إن القائمين عليها أعدوا ملفات شخصية عن 18 عضوًا في البرلمان الأوروبي، وصحفيين بارزين، ومقررين أمميين انتقدوا سلوك الإمارات في السودان.
كما أشار التقرير إلى أن بعض قوائم الأشخاص المستهدفين أُعدت لتسليمها مباشرة إلى مسؤولين إماراتيين كبار.
لكن الشركة لم تثبت أن هذه الملفات وصلت بالفعل إلى المسؤولين الذين كان من المفترض أن يتلقوها، كما لا يثبت التقرير استخدامها لاتخاذ إجراءات ضد الأشخاص الواردة أسماؤهم فيها.
صلة الحملة بحرب السودان
ارتبط جزء من نشاط الحملة بالحرب في السودان، في ظل الانتقادات التي تواجهها الإمارات بشأن دعم قوات الدعم السريع.
وفي 27 أبريل/نيسان الماضي، طلب عدد من الخبراء الأمميين من الإمارات توضيحات بشأن مزاعم تتعلق بنقل أسلحة وتجنيد مقاتلين أجانب لدعم قوات الدعم السريع، من بينها مزاعم مرتبطة بشركة "GSSG" للأمن الخاص، ومقرها أبوظبي.
وقدمت المراسلة هذه الوقائع باعتبارها ادعاءات تحتاج إلى رد، وقال الخبراء إنهم لا يستبقون الحكم على صحتها.
وردت الإمارات في وثيقة نشرت في يوليو الماضي، ونفت تقديم دعم عسكري مادي لأي من طرفي الحرب منذ اندلاعها. وقالت إن بعض المعدات قُدمت إلى الحكومة السودانية بموجب اتفاق ثنائي يعود إلى عام 2020، كما نفت وجود صلة بين الشركة والأنشطة أو الأشخاص المذكورين.
ولا يثبت تقرير أنثروبيك أن الخبراء الذين أرسلوا هذه المراسلة هم أنفسهم الأشخاص الذين أُعدت عنهم الملفات، إذ لم تكشف الشركة أسماء المقررين الأمميين المستهدفين.
تأثير محدود وفق تقييم الشركة
وصنفت الشركة النشاط ضمن الفئة الثالثة على مقياس تستخدمه لتقدير انتشار عمليات التأثير، بسبب استخدامه أكثر من منصة اجتماعية. وتحتاج العملية، وفق منهج الشركة، إلى أدلة على اهتمام جماهيري واسع أو تأثير واضح للانتقال إلى فئة أعلى.
كما حظرت أنثروبيك الحسابات المرتبطة بالنشاط من استخدام خدماتها، وطورت وسائل لرصد محاولات مماثلة، وشاركت بعض المؤشرات مع شركات تكنولوجية أخرى.
لكن حظر الحسابات على خدمات أنثروبيك لا يعني بالضرورة توقف الشبكة عن العمل على السوشيال ميديا، كما أن الشركة لا تستطيع معرفة مصير كل المواد بعد خروجها من خدماتها.
مشروع منفصل للمراقبة
ويتناول تقرير أنثروبيك حالة أخرى منفصلة عن الحملة السابقة، تتعلق بمشروع لمراقبة مستخدمي السوشيال ميديا في إيران ومنطقة الخليج.
وقالت الشركة إن المشروع نُفذ بواسطة، أو نيابة عن، جهة تسمى "S2T Unlocking Cyberspace"، وتشير أبحاث المصادر المفتوحة إلى أنها شركة استخبارات تجارية إسرائيلية-سنغافورية.
واستخدم المشروع "كلود" لتحليل نشاط المستخدمين، وتقدير مواقعهم الجغرافية وخصائصهم الديموغرافية وميولهم السياسية، ثم تحويل النتائج إلى تقارير عربية مختصرة.
وشملت التصنيفات تحديد ما إذا كان المستخدم، وفق تقدير النظام، مؤيدًا للنظام الإيراني أو معارضًا له، إلى جانب تقدير درجة الثقة في النتائج المتعلقة بموقعه وهويته وميوله السياسية.
ورصدت أنثروبيك أيضًا أكثر من 255 حسابًا اصطناعيًا ضمن المشروع، بعضها صُمم ليبدو كأنه يعود إلى وافدين في الإمارات، ومن بينهم حسابات بأسماء توحي بأنها لعمال باكستانيين أو بنغاليين في دبي والشارقة وعجمان.
لكن هذه الحسابات لا تثبت وجود صلة بالحكومة الإماراتية، كما لا يثبت التقرير أنها استُخدمت بالفعل أو وصلت إلى جمهور.
وقالت أنثروبيك إنها حظرت الحساب المرتبط بالمشروع في يونيو الماضي، عندما كان النشاط لا يزال في مرحلة تجريبية، ولم تجد دليلًا على استخدام المراحل اللاحقة من النظام لاستهداف أشخاص حقيقيين قبل الحظر.
وبذلك يميز تقرير أنثروبيك بين حالتين مختلفتين: الأولى تقول الشركة إنها ربطتها بدرجة ثقة عالية بمسؤولين حكوميين إماراتيين، وتضمنت حملة تأثير سياسي واسعة مرتبطة، من بين قضايا أخرى، بالسودان؛ والثانية تتعلق بمشروع للمراقبة وتحليل مستخدمي السوشيال ميديا، ولا يقدم التقرير دليلًا كافيًا لربطه بالحكومة الإماراتية أو بالحملة الأولى.
وتكشف الحالتان في الوقت نفسه عن استخدامات مختلفة للذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير والمراقبة، من إنتاج المحتوى وإدارة الحسابات الوهمية إلى تحليل بيانات المستخدمين وإعداد ملفات عن أشخاص مستهدفين، مع بقاء مدى انتشار هذه الأنشطة وتأثيرها الفعلي خارج ما استطاعت أنثروبيك إثباته من البيانات التي نشرتها.