أعلنت الجزائر، اليوم الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، بعدما قالت وزارة الشؤون الخارجية إن أبوظبي واصلت تصرفات "استفزازية أو عدائية" رغم تحذيرات جزائرية متكررة، معتبرة أن هذه السلوكيات "تجاوزت حدود ما يمكن قبوله أو تحمله في العلاقات بين دولتين ذاتي سيادة".
وقالت الخارجية الجزائرية، في بيان، إن الجزائر "تحلت بقدر كبير من ضبط النفس وبحس عالٍ من المسؤولية"، ولم تدخر جهدًا في لفت انتباه الجانب الإماراتي إلى ما وصفته بالعواقب الوخيمة التي قد تترتب على "سلوكياته المؤسفة وغير المبررة".
وأضافت أن هذه التحذيرات لم تؤدِ إلى تغيير الموقف الإماراتي، إذ "واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة تماديها في هذه التصرفات"، التي قالت الجزائر إنها بلغت مرحلة لم يعد من الممكن معها إبقاؤها دون رد.
وأشارت الخارجية الجزائرية إلى أنها استقبلت السفير الإماراتي اليوم، وأبلغته بالقرار رسميًا، وأمهلته 48 ساعة لتنفيذه، ما يؤكد أن القطيعة دخلت حيز التنفيذ بصورة رسمية.
ولم تحدد الجزائر في بيانها طبيعة التصرفات التي وصفتها بالاستفزازية أو العدائية، أو الوقائع التي دفعتها إلى اتخاذ القرار، لكنها قدمت رواية واضحة لمسار الأزمة، مفادها أن القطيعة جاءت بعد سلسلة من التحذيرات ومحاولات احتواء الخلاف لم تُفضِ إلى نتيجة.
أزمة تتجاوز الخلاف الدبلوماسي
تأتي القطيعة بعد أشهر من تدهور واضح في العلاقات بين البلدين، ظهرت مؤشراته في عدد من الإجراءات والتصريحات السياسية.
ففي يناير/كانون الثاني الماضي، تحدثت تقارير عن احتمال قطع الجزائر العلاقات مع الإمارات، وربطت ذلك باتهامات جزائرية لأبوظبي بالقيام بأدوار "مزعزعة للاستقرار" في دول مجاورة، بينها ليبيا ومالي والسودان.
وفي فبراير/شباط الماضي، بدأت الجزائر إجراءات إنهاء اتفاقية خدمات النقل الجوي الموقعة مع الإمارات عام 2013، في خطوة لم تكشف السلطات الجزائرية حينها عن أسبابها بصورة رسمية، لكنها جاءت وسط توتر متزايد بين البلدين.
وخلال الشهر نفسه، انتقد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تدخل "دويلة" في شؤون الجزائر ومحاولتها زعزعة الاستقرار والتدخل في العمليات الانتخابية، قائلًا "متخلوناش نندم على النهار اللي عرفناكم فيه"، من دون أن يسمي الإمارات، بينما فسرت تقارير إعلامية جزائرية هذه التصريحات على نطاق واسع باعتبارها موجهة إلى أبوظبي.
ومع استمرار التوتر، تصاعدت في الإعلام الجزائري اتهامات للإمارات بمحاولة التأثير في ملفات إقليمية، خصوصًا في ليبيا والسودان ومنطقة الساحل، وهي ملفات تعتبرها الجزائر شديدة الارتباط بأمنها القومي.
ليبيا والسودان والساحل في قلب الخلاف
تتقاطع مصالح الجزائر والإمارات في عدد من الملفات الإقليمية، لكن الرؤى السياسية للبلدين ليست متطابقة.
وتولي الجزائر منطقة الساحل اهتمامًا أمنيًا واستراتيجيًا خاصًا، في ظل امتداد حدودها الجنوبية مع دول المنطقة، وتصاعد التهديدات المسلحة والتنافس على النفوذ فيها. كما تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره مسألة مرتبطة بأمن حدودها ومصالحها الإقليمية.
وفي المقابل، وسعت الإمارات خلال السنوات الماضية حضورها الاقتصادي والسياسي في إفريقيا، عبر استثمارات في قطاعات المواني والبنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين، إلى جانب أدوار سياسية في عدد من الأزمات الإقليمية، بينها السودان وليبيا.
وفي السودان، تواجه أبوظبي اتهامات من الحكومة السودانية وأطراف أخرى بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات. كما ورد اسم الإمارات في تقارير دولية تناولت شبكات الدعم الخارجي المرتبطة بالحرب السودانية، ما جعل هذا الملف أحد مصادر الجدل الإقليمي حول السياسة الإماراتية.
ولا يمكن، مع ذلك، اعتبار أي من هذه الملفات سببًا مباشرًا لقرار قطع العلاقات ما لم تعلن الجزائر ذلك صراحة، لكنها تمثل جزءًا من البيئة السياسية التي تراكمت فيها الخلافات بين البلدين.
أما بيان الخارجية الجزائرية الأخير، فيضيف عنصرًا أكثر وضوحًا إلى هذا المسار، إذ لا تكتفي الجزائر بالقول إن العلاقات وصلت إلى طريق مسدود، بل تتهم الإمارات صراحة بمواصلة "تصرفات استفزازية أو عدائية" رغم التحذيرات.
هناك أيضًا بعد أمني داخلي أكثر حساسية في العلاقة بين البلدين. ففي مايو/أيار الماضي، استضافت سكاي نيوز عربية الإماراتية المؤرخ الجزائري محمد أمين بلغيث الذي قال وقتها إن "الهوية الأمازيغية هي مشروع صهيوني فرنسي"، وفق تقرير دوتشيه فيله.
حينها، قال التليفزيون الجزائري إن الإمارات "تتحول إلى مصانع للفتنة وبث السموم الإيديولوجية"، واعتبره "تصعيد إعلامي خطير يتجاوز كل الخطوط الحمراء".