الصفحة الرسمية لوزراة العدل لوزارة العدل المصرية على فيسبوك
وزير العدل خلال إطلاق المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بُعد بمحكمة القاهرة الجديدة، 31 أغسطس 2026

العدالة بـ"باقات الشحن".. رسوم "منصة التقاضي الجنائي" تعيد الجدل حول "تسليع" المحاكمات

محمد نابليون
منشور الثلاثاء 8 أيلول/سبتمبر 2026

بينما تُروج الحكومة للتحول الرقمي في منظومة العدالة باعتباره خطوة لـ"التيسير وتسريع التقاضي" استعدادًا لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، صُدم المحامون لدى تسجيلهم على "المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بُعد" بوجود "قائمة أسعار" تشبه باقات الهواتف المحمولة للحصول على الخدمات الأساسية المرتبطة بحق التقاضي.

وفي 31 أغسطس/آب الماضي أطلقت وزارة العدل رسميًّا عبر بوابتها الإلكترونية المنصة الرقمية الجديدة، متضمنةً منصة خدمات المحامين أمام محاكم جنايات أول درجة، كأحد المكونات الرئيسية لمنظومة التقاضي المستحدثة.

وتتيح المنصة للمحامين وأطراف الدعوى والشهود والخبراء والأطباء الشرعيين حضور الجلسات إلكترونيًّا، إلى جانب استخراج صور رقمية معتمدة من القضايا، وسداد الرسوم فوريًّا دون الحاجة للانتقال لمقر للمحكمة، فضلًا عن إرسال قرارات الجلسات وإخطارات المواعيد للمحامين عبر رسائل نصية قصيرة (SMS)، بهدف تعزيز كفاءة إجراءات التقاضي وسرعة الفصل في الدعاوى، حسب بيان إطلاق المنصة الصادر عن وزارة العدل.

قائمة أسعار

لكن عند محاولة عدد من المحامين، من بينهم المحامي الحقوقي أحمد معوض، التسجيل على المنظومة للاستفادة من خدماتها، فوجئوا بأنها تشترط سداد 500 جنيه كرسوم اشتراك سنوي للمحامي، يُضاف إليها 500 جنيه أخرى كرسم حضور لجلسة جناية واحدة عن بُعد، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس.

كما تُحصل المنصة رسمًا بقيمة 10 جنيهات مقابل تصوير الورقة الواحدة من ملف القضايا الجنائية، فضلًا عن طرح باقة رسائل نصية تضم 500 رسالة مقابل 2500 جنيه لمتابعة قرارات الجلسات فور صدورها.

ويؤكد معوض في تصريحات لـ المنصة أن المنظومة الجديدة أصبحت واقعًا فعليًّا متاحًا للتعامل على بوابة وزارة العدل استعدادًا لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أول أكتوبر/تشرين الأول المقبل، معتبرًا أن أولى إشكاليات التطبيق الميداني تجسدت فيما تفرضه المنظومة على المحامين من "رسوم مالية مرتفعة ستنعكس بصورة مباشرة على المواطن".

إزاء ذلك يحذِّر معوض من "تداعيات مجتمعية وقانونية ستترتب على فرض هذه الرسوم"، مؤكدًا أن تحويل مرفق القضاء إلى "خدمة استثمارية مربحة" سيفقد المواطنين البسطاء القدرة على اللجوء إلى المحاكم، ويدفعهم نحو العودة للأساليب البدائية كالجلسات العرفية أو اقتضاء الحق باليد.

لا رسم إلا بقانون

تتصدى نقابة المحامين بين الحين والآخر لقرارات فرض رسوم تقاضٍ جديدة أو زيادة الرسوم المقررة على خدمات التقاضي، وكانت آخر الأزمات من هذا النوع أزمة رسوم الميكنة التي أثيرت على مدى 4 شهور خلال العام الماضي.   

لكن وحتى الآن، يؤكد أمين عام نقابة المحامين محمود الداخلي أن النقابة لم تتلقَّ شكاوى رسمية من التعامل مع المنظومة نظرًا لكونها ما زالت في طور الإطلاق الأولي، مشددًا في حديثه لـ المنصة على أن "الموضوع لسه جديد، وعند التطبيق الميداني هتبان المشاكل؛ لأن النت ووسائل الاتصال في مصر لسه مش قوية أوي، والدنيا مش هتمشي بالشكل اللي الناس متخيلاه".

ويتوقف الداخلي ليتناول الجدل حول شرعية الرسوم المقررة بالمنظومة الجديدة، جازمًا بعدم دستوريتها "مفيش رسم من غير قانون يصدر يقر الرسم ده.. اللي بيحصل ده رسم افتراضي بييجي من التفويضات وده غير قانوني، لا رسم إلا بقانون".

وهو ما يتفق معه المحامي بالمنصورة وائل غالي، الحاصل على حكم قضائي سابق ببطلان قرار رئيس محكمة استئناف المنصورة بفرض رسوم ميكنة على دعاوى الأحوال الشخصية، مؤكدًا أن وزارة العدل لم تطرح تشريعًا على البرلمان لتقنين هذه المبالغ، ولم تصدر السلطات أي قوانين في هذا السياق، إذ يقول لـ المنصة "إحنا حتى هذه اللحظة معندناش قانون منظم للموضوع.. والدستور قالك لا تفرض ضرائب ولا رسوم إلا بقانون".

يضيف غالي "قانون الرسوم القضائية لسه من سنة 1945 ومتعدلش، والتعديلات والرسوم الإضافية دي كلها بقرارات إدارية من رؤساء المحاكم، ورسم الورقة بقى يختلف من العباسية لجنوب القاهرة.. واحدة بـ3 وواحدة بـ5 والمنتج والجهة الإدارية واحدة، أنت كده قلبت التقاضي إلى تقاضي استثماري وربحي".

ويرد الداخلي شارحًا كيف تُجبر هذه الرسوم المحامين والمتقاضين على السداد القسري رغم بطلانها، قائلًا "أنت هتضطر تدفع رسم الخدمة ده إجباري وبداعي الإذعان علشان المواعيد اللي مرتبط بيها في رفع الدعوى ومصلحة الموكل.. هو ماسكك من دي، لو عندي استئناف 40 يوم هيخلصوا هعمل إيه؟ أو استئناف جنايات أو نقض.. هتلاقي نفسك مجبر تدفع غصبًا عنك علشان تلحق مصلحة الموكل".

ويضيف غالي موضحًا هذه المفارقة الإجرائية "خدمة التقاضي عن بُعد دي خدمة اختيارية على الورق مش إجبارية.. بس إحنا عندنا خلط ما بين التعليمات الإدارية والقوانين، ودولتنا بتمشي بالتعليمات حتى لو مخالفة للقانون، وأنا عندي شك وتخوف إن اللي اختياري دلوقتي هيبقى إجباري بعدين".

"تحت الترابيزة" 

مع ذلك يقر غالي بجانب إيجابي في المنظومة الجديدة يتعلق بالمحامين القادمين من المحافظات لمحاكم القاهرة تحديدًا، إذ يقول "بالنسبة للمحامي اللي بينزل يتردد على القاهرة من المحافظات، المنظومة دي هتبقى ممتازة كتوفير للوقت والمصاريف.. وربما تقلل الفلوس اللي كانت بتندفع تحت الترابيزة للموظفين والحاجب علشان قرار أو الاطلاع".

ولا ينكر غالي أيضًا أن تساهم المنظومة الجديدة في تقليل الرشوة والفساد "لأن النهاردا عشان أعمل إجراء أو أصور قضية أو أجيب قرار من المحكمة بسرعة بدفع للموظفين والحاجب وأمين الشرطة من 300 لـ600 جنيه تحت الترابيزة، وبالتالي بعض الحامين ربما  يقيسوها على دي".

لكن غالي لم يغفل بعض المشاكل التقنية التي قد تتضرر منها المنظومة الجديدة، على غرار خدمات مميكنة سابقة أطلقتها الوزارة وظلت متعطلة أو متأثرة بضعف البنية التحتية كخدمة تصوير القضايا الجنائية إلكترونيًا التي لا تعمل فعليًا على حد قوله.

ويتفق معوض مع هذا الطرح متوقعًا عجز البنية التحتية عن مواكبة ضغط المحاكمات، مستشهدًا بفرض نظر جلسات تجديد الحبس عن بُعد "غير المشاكل التقنية المعروفة أصلًا.. إحنا في تجديد الحبس اللي هو عن بُعد حاليًا، كل شوية يقولك السجن مفيش إنترنت، المتهم مش عارفين نجيبه.. البنية التحتية عندنا في موضوع الإنترنت مشاكلها معروفة وأكيد هتأثر على المنظومة ونسبة الإنجاز والعدالة فيها".

ويؤكد معوض من واقع التجربة "الواقع بيقول إن أنا بدفع فلوس أكتر وبنتظر وقت أكتر.. المنظومة بتسهل على القاضي بس مش بتسهل عليّ أنا كمحامي أو متقاضي نروح نلاقي الموظف بيشتكي إن السيستم واقع والنت مقطوع وقعدنا أسبوع في نيابة أكتوبر الشغل واقف وبيشتغلوا بفلاشات نت!".

تسليع القضاء.. والفرار نحو "الجلسات العرفية"

وحول البعد الاجتماعي لهذه التسعيرة المالية، ينتقد أمين عام  نقابة المحامين محمود الداخلي تحويل القضاء إلى نشاط ربحي، قائلًا "المسؤول في وزارة العدل هو مانظرش للجانب الاجتماعي خالص، بيبصلها بمنظور اقتصادي واستثماري.. الشركات اللي جاية تحط البرامج دي جاية تستثمر وتكسب، ومبتبصش للبعد الاجتماعي لحقوق المواطنين. المواطن كاهله خلاص مبقاش عنده طاقة لاستنزاف أكتر من كده في الرسوم، وفي ناس مش هتلجأ للقضاء عشان الرسوم وبتسيب حقوقها، وده بيمنع الفقراء من إنهم يوصلوا لحقوقهم".

ويتطرق معوض إلى هذا البعد المحذور موضحًا كيف تدفع الرسوم العالية المواطنين لإهدار سيادة القانون "مع رسوم التقاضي المهولة دي والبطء، الناس مش هتلجأ للقضاء، هتروح تلجأ للقواعد والجلسات العرفية أو تاخد حقها بإيدها وتضرب خصومها.. وفقدان المواطن الثقة في الدولة يخليه يرجع للأساليب البدائية ويروح لشيخ القبيلة يعمل قاعدة عرفية أو ياخد حقه بإيده، والارتفاع المطرود في الجرائم حاليًا سبب وفقد الناس الثقة في سيادة القانون".

وإزاء ذلك، لا يستبعد الداخلي تحركًا نقابيًّا مرتقبًا لمواجهة هذه الرسوم، جازمًا بنشوب أزمات ميدانية مع بدء تنفيذها وتعميمها "هيبقى في معارك طبعًا مفيش شك.. والحل اللي هنسعى له هو مقابلة وزير العدل والاتفاق معاه على كيفية إدارة النظام ده بشكل يليق بالطرفين، وعلى الأقل تخفيض الرسوم بما يتناسب مع المواطنين والبسطاء".