تصوير جاسر الضبع، المنصة
تطبيق My NTRA التابع للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، 9 أغسطس 2026

فوضى "أرقامي".. أزمة الخطوط المجهولة تثير مخاوف المواطنين وتُهدد "الإجراءات الجنائية الجديد"

محمد نابليون
منشور الأحد 9 آب/أغسطس 2026

فجّرت إعادة إتاحة خدمة "أرقامي" عبر تطبيق My NTRA، أزمة واسعة بين مستخدمي شبكات المحمول؛ بعدما كشفت الخدمة، التي يتيحها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عن وجود آلاف الخطوط المسجلة بالأرقام القومية لمواطنين دون علمهم، ما يفتح الباب أمام أزمة أخرى عقب بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي سيعتمد على الإعلانات القضائية عبر الرقم القومي وهاتف المستخدم.

وأعلن الجهاز، الخميس الماضي، عن عودة الخدمة بـ"حل فني مؤقت" يتضمن حجب الأرقام الوسطى لحين استكمال التحديثات، إلا أن هذه الخطوة كشفت عن حجم التلاعب ببيانات المستخدمين، وفجرت موجة شكاوى عديدة من التبعات القانونية للخطوط المجهولة.

الشكاوى التي بدأت ببوستات فردية سيطرت على جروبات تبادل الخبرات على فيسبوك، كشفت عن نمط متكرر لمستخدمين فوجئوا بوجود أرقام عدة مسجلة ببياناتهم لدى شركات اتصالات مختلفة، دون أن يستخرجوا شرائحها أو يعرفوا هوية مستخدميها الفعليين.

ذُعر

تستند حالة الذعر الحالية إلى واقعة صادمة تسببت خلالها تلك الثغرة التقنية في صدور حكم بالسجن المؤبد بحق طالب، لإدانته في قضية تهريب مخدرات، بعدما تبين أن الزج باسمه في القضية تم عبر شريحة محمول مسجلة باسمه دون علمه، استخدمها المهربون في التنسيق للشحنة المضبوطة.

وتعود التفاصيل، وفق شهادة أسرته، إلى استغلال بيانات الطالب من قِبل موظفة مبيعات بفرع إحدى شركات الاتصالات بالشرقية لتحقيق مستهدف البيع الشهري "التارجت".

ورغم أن الطالب قدم بطاقته لمساعدتها في استخراج خط واحد، استغلت الموظفة توقيعه لتفعيل 10 خطوط وتسريبها، ليُستخدم أحدها في الجريمة ويواجه الشاب حكمًا يقضي على مستقبله، في واقعة كشفت عن نمط لتزوير بيانات الخطوط بالمنطقة.

عقب هذه الواقعة، وبدافع من الخوف والفضول، سارع مستخدمون آخرون إلى مراجعة خيار "أرقامي" المتاح على تطبيق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.

الصدمة لم تكن في وجود خط إضافي نسي صاحبه أنه اشتراه يومًا، بل في كشف أرقام مهولة مسجلة ببيانات شخصية واحدة، لا يعلم أصحاب هذه الخطوط شيئًا عنها، على نحو حول الأمر من مجرد إزعاج تقني إلى تهديد مباشر للحرية وحياة الناس.

شكاوى

من حساب أحد المواطنين على تطبيق My NTRA يكشف خطوطًا مسجلة باسمه دون علمه، 9 أغسطس 2026

عكست البوستات المتداولة على مجموعات رئيسية لتبادل الخبرات وشكاوى المستهلكين، مثل "اسأل في مصر" و"Power of Social Media"، حجم الذهول والارتباك الإجرائي الذي واجهه المواطنون عقب مراجعة بياناتهم؛ إذ لم تقف الأزمة عند حدود الكشف عن أرقام مجهولة، بل امتدت لتكشف عن تعقيدات ميدانية داخل فروع الشركات نفسها.

أظهرت الشهادات تكرار تسجيل أرقام مهولة باسم الشخص الواحد؛ إذ كشف أحد صناع المحتوى وأدمن أحد الجروبات عن وجود 16 خطًا مسجلًا باسمه دون علمه، فيما روى آخر تجربة والدته المسنة، التي لا تقرأ ولا تكتب، بعدما اكتشف تسجيل 6 أرقام باسمها، وعند مراجعته لفرع الشركة أفاده الموظف بأن الأرقام "مربوطة على حساب شركة" ورفض إلغاءها أو سحبها.

 وأشار صاحب البوست صراحة إلى أن الخوف من تكرار "سيناريو طالب الشرقية المحكوم بالمؤبد" هو المحرك الأساسي لبحثهم عن حل عاجل.

وعلى صعيد الحل، كشف بوست ثالث عن ثغرة إجرائية بين تطبيق "My NTRA" وفروع شركات المحمول؛ ففي الوقت الذي يتيح فيه التطبيق رؤية الأرقام مسجلة مع إخفاء أرقامها الوسطى لحماية الخصوصية (يظهر فقط أول 3 وآخر 3 أرقام)، اشترط موظفو فروع الشركات على مواطنين إملاء رقم خط المحمول بالكامل، لاتخاذ إجراءات إنكار الملكية والإلغاء، ما وضع المستهلكين في حلقة مفرغة، فكيف يتسنى للمواطن معرفة الرقم الكامل لشريحة لم يشتريها؟

فيما أبدت شهادات أخرى تخوفًا حقيقيًا من طريقة تعاطي فروع الشركات مع بلاغات إنكار الملكية؛ إذ روت إحدى المواطنات أنها بعدما أصرت على إنكار ملكيتها لخط فودافون مسجل باسمها، رفضت الموظفة تسليمها صورة رسمية من استمارة "عدم الحيازة"، واكتفت بإعطائها "ورقة صغيرة بخط اليد" مدون بها رقم الطلب، ما أثار شكوكها حول الحجية القانونية لهذا الإجراء في حال حدوث أي مساءلة جنائية لاحقة.

رد رسمي

وأمام تصاعد حالة القلق والانتشار الواسع للشهادات، دخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على خط الأزمة، أمس السبت، ببيان رسمي، سعى فيه إلى تقديم تطمينات قانونية وتوضيح الإجراءات المتاحة للمتضررين.

وشدد الجهاز أن "مجرد تسجيل خط هاتف باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه"، متى ثبت عدم حيازته أو سيطرته الفعلية عليه، موضحًا أن المسؤولية الجنائية شخصية وتخضع لتقدير جهات التحقيق والقضاء.

ودعا الجهاز المواطنين ممن يكتشفون أرقامًا غير معلومة لهم إلى التقدم بشكاوى رسمية أمامه لفحص سلامة إجراءات التسجيل، مع احتفاظهم بالحق في إبلاغ جهات التحقيق "النيابة العامة"، مشيرًا إلى أنه يتولى فرض جزاءات على الشركات حال ثبوت أي مخالفة.

كما كشف الجهاز عن خطوات لتحديث منظومة التفعيل عبر تشديد التفتيش على الفروع والشركات، والعمل على تعزيز "منظومة التحقق البيومتري" (البصمة) لرفع دقة البيانات ومنع التلاعب.

الخطوات اللازمة للإبلاغ عن عدم حيازة الخطوط وإلغائها من خلال نقاط البيع التابعة لشركات المحمول

وإمعانًا في توضيح آليات الشكوى، أتبع الجهاز ذلك البيان، ببوست آخر أوضح فيه الخطوات اللازمة للإبلاغ عن عدم حيازتك للخطوط وإلغائها من خلال نقطة البيع التابعة للشركة، والتي أوجزها في التوجه لنقطة البيع والإبلاغ عن عدم حيازة الخطوط المكتشفة، وتقديم أصل البطاقة الشخصية، وملئ استمارة عدم حيازة الخط، والاحتفاظ بنسخة منها.

ورغم ما تضمنته بيانات الجهاز من مساعي لنزع فتيل الخوف من التبعات الجنائية، إلا أنه قوبل بتحفظات حادة من حقوقيين ومحامين؛ رأوا في الطرح الرسمي محاولة لتخفيف عبء المسؤولية عن شركات المحمول، وتحويل المواطن من "مجني عليه في واقعة إهمال أو تزوير" إلى "مكلف دائم بالإثبات والتردد على الفروع".

ثغرات جديدة

يرى المحامي والباحث القانوني بمؤسسة "مسار" (مجتمع التقنية والقانون) حسن الأزهري، أن تعاطي الجهاز مع الأزمة يتضمن خللًا قانونيًا جوهريًا، يعيد خلاله نقل عبء الإثبات من المتسبب في الثغرة "شركات المحمول" إلى الضحية "المستخدمون".

ويوضح الأزهري لـ المنصة، أن الجهاز القومي يُلزم شركات المحمول، وفق قرارات سابقة ومستندات رسمية، بالاحتفاظ بنسخة ملونة وموثقة من عقد شراء كل خط، إلا أن آلية البيع الميدانية خرقت هذه القواعد، مشيرًا إلى أن "الـSales بيبيع بالـ50 خط وبالـ100 خط بصور بطايق"، وهو ما وضع الشركات في مأزق عجزها عن إثبات صحة التوقيعات والعقود التي بحوزتها.

ويضيف الباحث القانوني أن توجيه المواطنين للذهاب إلى الفروع وتقديم استمارات "إنكار ملكية" هو إجراء "مقلوب تمامًا" إذ كان يجب على الجهاز التنفيذي إرغام الشركات على إجراء عملية مراجعة وتحديث شاملة للبيانات على نفقاتها وتحت مسؤوليتها.

وتابع "الجهاز والشركات بيحاولوا يرموا عبء إثبات ملكية الخطوط على الناس مش على الشركات.. المفروض الجهاز يقتدي بالبنوك ويطلع قرار بإلزام الشركات دي كلها خلال مهلة زمنية محددة بمراجعة وتحديث كل الخطوط.. تفشل بقى ما تفشلش دي مشكلتهم هما".

ويشدد الأزهري على أن خطورة الأزمة لا تكمن في مجرد وجود رقم إضافي باسم المواطن، بل في التحول الوظيفي لخط المحمول؛ حيث أصبح يمثل الهوية الرقمية والقانونية للشخص، مؤكدًا أن "خط التليفون مبقاش حاجة عادية.. التليفون بقى عنوان الشخص".

ويلفت باحث مؤسسة "مسار" إلى أن هذا "العنوان الرقمي" ترتبط به حاليًا معاملات مالية ضخمة عبر المحافظ الإلكترونية، فضلًا عما يتضمنه قانون الإجراءات الجنائية الجديد المقرر تطبيقه من أول أكتوبر/تشرين الأول المقبل، والذي سيعتمد على الإعلانات القضائية عبر الرقم القومي وهاتف المستخدم، موضحًا أن وجود خطوط مجهولة مسجلة باسم المواطن يفتح الباب أمام كارثة جنائية وتوريط مباشر في جرائم إلكترونية أو قضايا أموال عامة دون علمه، قائلًا "في مسؤولية قانونية وجنائية مهولة بقت تترتب على الخط.. ومفيش منطق إننا نقعد نحدف لبعض المشكلة".

وتوقف الأزهري عند جذور المشكلة، مؤكدًا أنها في جوهرها "أزمة تسريب بيانات وليست مجرد أزمة ملكية خطوط"، وذلك في ظل وجود سوق سوداء مفتوحة تباع فيها الأسماء الرباعية والأرقام القومية للمواطنين، معقبًا "البيانات بقت متاحة في كل حتة لأسباب غير مفهومة، فبقى سهل إن حد يجيب عقد ويضربه ويمضي.. وأنت دور ورايا بقى!".

ويربط الأزهري بين هذه الفوضى وبين استمرار تعطيل "قانون حماية البيانات الشخصية" (رقم 151 لسنة 2020) وعدم تفعيل لائحته التنفيذية حتى الآن؛ موضحة أنه لو كان هذا القانون مفعلًا، لكان من حق المواطن الذي يكتشف خطًا مزورًا باسمه ألا يكتفي بـ"إنكار الملكية"، بل أن يطالب قانونيًا بـ"محو وحذف بياناته" نهائيًا من قاعدة بيانات الشركة التي لم يتعاقد معها من الأساس.