تصوير محمود عطية، المنصة
جانب من مائدة حوار المبادرة المصرية حول قانون فصل الموظفين بسبب المخدرات، 28 يوليو، 2026

"أفرز مآسي اجتماعية".. حقوقيون ونواب يطالبون بتعديل قانون فصل الموظفين بسبب المخدرات

محمود عطية
منشور الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026

عبّر حقوقيون وبرلمانيون عن تمسكهم برفض استمرار العمل بقانون فصل الموظفين بسبب تحاليل المخدرات، مؤكدين أن تطبيقه أفرز مشكلات قانونية واجتماعية، وخلّف حالات فصل دون توفير ضمانات كافية للتظلم أو العلاج، مطالبين بإعادة النظر في القانون وتعديله، فيما دعا بعض المشاركين إلى إلغائه بالكامل.

جاء ذلك خلال مائدة حوار نظمتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالتعاون مع دار الخدمات النقابية والعمالية، أمس الثلاثاء، بعنوان "مسارات تعديل القانون رقم 73 لسنة 2021.. ضرورة اجتماعية مُلحة"، بمقر جمعية الصعيد بمنطقة الظاهر القريبة من وسط القاهرة، وذلك بمشاركة نواب ومحامين وخبراء قانونيين وأطباء متخصصين في علاج الإدمان، إلى جانب عدد من الموظفين السابقين المتضررين من القانون.

في البداية، أكد مدير وحدة المساواة وعدم التمييز في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إسحاق إبراهيم، أن القانون محل النقاش ينتهك بصورة مباشرة حق الأفراد في العمل، موضحًا أن فصل الموظف بسبب نتيجة تحليل المخدرات يضعه أمام صعوبات كبيرة في الحصول على فرصة عمل جديدة، خاصة مع إثبات سبب إنهاء خدمته في مستندات العمل.

وأضاف، في كلمته، أن النص الحالي يوقع عقوبة الفصل على من تثبت إيجابية عينته دون توفير ضمانات كافية للتظلم من قرار إنهاء الخدمة، مشيرًا إلى أن هذا النهج قد يحد من إقبال متعاطي المخدرات على طلب العلاج طواعية، خوفًا من فقدان الوظيفة، بدلًا من تشجيعهم على الاعتراف بالمشكلة والحصول على الدعم.

ولا تعد الاعتراضات الحالية على القانون حديثة العهد، حسب إبراهيم، الذي أكد أن التشريع واجه اعتراضات منذ طرحه كفكرة عام 2019 ثم مناقشته وإقراره في 2021، بما في ذلك ملاحظات من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، مع مطالبات بإدراج ضمانات تحول دون الفصل التعسفي.

وعلى صعيد المتضررين من تعسف القانون، قالت أميرة، وهي موظفة سابقة بإحدى الشركات الحكومية في الإسكندرية، إن أزمتها بدأت عندما خضعت لتحليل مخدرات ضمن إجراءات الترقية الوظيفية "أنا بلغت القائمين على التحليل أني باخد أدوية لعلاج القولون العصبي وعندي مشكلات في المناعة، وقدمت الروشتات الطبية بده لكن محدش اهتم".

جانب من حضور الندوة، 28 يوليو 2026

 أُبلغت أميرة في البداية بأن نتيجة التحليل الخاصة بها أظهرت سلبيتها، لكنها فوجئت، على حد قولها، بعد نحو شهرين بصدور قرار بفصلها من العمل، مشيرة إلى أنها حررت محضرًا بالواقعة أحيل على أثره الأمر إلى الطب الشرعي، بينما لا تزال نيابة محرم بك تنظر الشكوى.

موقف مشابه تعرض له الموظف السابق بشركة النيل للأدوية محمود حامد، الذي جرى فصله من عمله بعد ظهور مادة الترامادول في نتيجة تحليل المخدرات الذي خضع له، رغم ثبوت إصابته بقطع في غضروف الركبة اليسرى وارتشاح بالمفصل، لافتًا إلى أنه كان يتناول مسكنات بناءً على حالته الصحية، ولديه مستندات وتقارير طبية رسمية صادرة عن وزارة الصحة تثبت حاجته إلى هذا العلاج.

وأوضح حامد أنه طلب إعادة التحليل لإثبات أن النتيجة جاءت بسبب العلاج الذي يتلقاه، إلا أن طلبه، بحسب روايته، قوبل بالرفض، ولم يُسمح له بإعادة التحليل خلال مهلة الـ24 ساعة، قبل أن يصدر قرار بفصله من العمل استنادًا إلى نتيجة التحليل الأولى.

وتشترط اللائحة التنفيذية لقانون 73 لسنة 2021 ثبوت عدم تعاطي المخدرات من خلال تحليل فجائي استدلالي، لشغل الوظائف، أو التعيين أو الترقية أو الندب أو النقل أو الإعارة، كما تعد سلبية نتائج هذه التحاليل شرطًا في الاستمرار في الوظائف.

بدورها، اعتبرت رحمة رفعت، المستشارة القانونية بإدارة الخدمات النقابية والعمالية ومعدة مشروع لتعديل القانون، أن القانون بشكله الحالي "يشوبه عوار دستوري" في عدد من مواده، مشيرة إلى أنه صدر في سياق أعقب حوادث سير ارتبطت بتعاطي المخدرات، لكنها رأت أن تطبيقه أفرز "مآسي اجتماعية" طالت عددًا من العاملين.

وقالت "القانون يحتاج إلى مراجعة جذرية، لأن بعض مواده تتعارض، مع مبادئ دستورية وقانونية، من بينها مساءلة الموظف عن أفعال لا ترتبط بأدائه داخل العمل"، موضحة أن الأصل هو محاسبة العامل على سلوكه الوظيفي وما ينعكس على أداء مهام عمله، وليس على أفعال تقع خارج نطاق الوظيفة.

وأبدت المحامية العمالية عدم اقتناع بفكرة إلزام العاملين بالخضوع لتحليل المخدرات سواء للترقية أو للاستمرار في الوظيفة، معتبرة أنه ينبغي قصر تلك التحاليل على حالات محددة، مثل ظهور سلوك من الموظف يؤثر على سير العمل، أو ضمن فحص دوري يُطبق على جميع العاملين دون تمييز.

واقترحت، أن يتضمن أي تعديل تشريعي للقانون إلغاء جميع قرارات الفصل التي صدرت استنادًا إليه، منذ بدء العمل به، لحين إعادة النظر في أوضاع أصحابها، إلى جانب تشكيل لجنة تضم الجهات المعنية لتلقي شكاوى المتضررين من تطبيق القانون، وفحص ما وقع من ممارسات خاطئة أثناء تنفيذه.

وإلى ذلك، تطرق النائب عاطف مغاوري رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، إلى الظروف التي صاحبت إصدار القانون، لافتًا إلى أنه أُقر في ظل أجواء صاحبتها حوادث عامة، معتبرًا أن الربط بين تلك الحوادث التي لم يسمها، وتعاطي المخدرات أسهم في تمرير القانون دون نقاش كافٍ حول آثاره وتداعياته.

وأشار مغاوري إلى أنه تقدم في وقت سابق بمشروع لتعديل القانون، لكنه لم يناقش داخل البرلمان، مؤكدًا أن مجلس النواب تنازل عن جزء من دوره التشريعي لصالح الحكومة، مشيرًا إلى ما وصفه بـ"وجود بادرة إيجابية" تتمثل في إعلان صندوق مكافحة وعلاج الإدمان استعداده لمناقشة تعديل القانون، معربًا عن أمله في أن يفتح ذلك الباب أمام مراجعة تشريعية شاملة لبنوده.

أما النائب أحمد بلال، والذي يتبنى هو الآخر مشروعًا لتعديل القانون، فيرى أن التعامل مع أزمة الموظفين متعاطي المخدرات ينبغي أن يستند إلى ضمان حق العامل في العلاج والدفاع عن نفسه، بدلًا من الاقتصار على إجراءات الفصل، مؤكدًا أن تطبيق القانون تسبب في وصم اجتماعي لآلاف الأسر، في وقت تتبنى فيه الدولة سياسات لمواجهة التنمر والتمييز.

النائب أحمد بلال متحدثًا أثناء الفاعلية، 28 يوليو 2026

واعتبر بلال أن القانون صيغ بما يجعل هدفه الأساسي فصل العاملين، مشيرًا إلى أن آليات تطبيقه تتعامل مع الموظفين باعتبارهم موضع اشتباه، من خلال إخضاعهم لتحاليل مفاجئة دون منحهم ضمانات كافية.

وقال إن صندوق مكافحة وعلاج الإدمان لا يملك، بحسب ما ذكر، بيانات دقيقة عن أعداد العاملين الذين فُصلوا بموجب القانون، رغم كونه إحدى الجهات المعنية بتطبيقه، معقبًا "الصندوق تلقى في إحدى الفترات نحو 1600 تظلم، وقبل معظمها، وده مؤشر على وجود مشكلات في التطبيق".

في السياق ذاته، توقف النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، عند احتمالات الخطأ في نتائج تحاليل الكشف عن المخدرات، مؤكدًا أن شأنها شأن أي فحص طبي، لا يخلو من تلك الاحتمالات، متسائلًا عما إذا كانت هناك وسيلة يمكن الجزم بدقتها بنسبة 100% في إثبات تعاطي المخدرات وإدمانها من عدمه؟

ودعا إلى توحيد جهود الجهات المعنية والبرلمان والمجتمع المدني لمراجعة آليات تطبيق القانون ومعالجة المشكلات التي ظهرت خلال تنفيذه.

وعلى الصعيد الطبي، قال الدكتور إيهاب الخراط، استشاري الطب النفسي ومعد التقرير الطبي المقدم في الدعوى القضائية المقامة لوقف العمل بالقانون، إن بعض الأدوية، مثل أدوية القولون العصبي والمناعة وبعض المضادات الحيوية، إلى جانب بعض الأغذية، قد تؤثر في نتائج تحاليل الكشف عن المخدرات، وتؤدي إلى ظهور نتائج إيجابية لبعض المواد.

وأوضح أن إجراءات التحليل تبدأ باختبار أولي سريع، يعقبه تحليل تأكيدي باستخدام وسائل معملية، مؤكدًا أهمية الاعتماد على الفحص الطبي الشامل وعدم الاكتفاء بنتيجة التحليل وحدها عند اتخاذ قرارات تمس مستقبل العاملين.

وأضاف أن الموظف الذي يثبت تعاطيه للمواد المخدرة ينبغي أن يُحال إلى العلاج بدلًا من فصله مباشرة، مشيرًا إلى أن منظومة علاج الإدمان تواجه تحديًا يتمثل في محدودية الطاقة الاستيعابية، إذ لا يتجاوز عدد الأسرة المخصصة لعلاج الإدمان، بحسب قوله، نحو 10 آلاف سرير.

وفي الأخير طالب الخراط بتيسير اشتراطات ترخيص مراكز علاج الإدمان لزيادة قدرتها على استقبال المرضى، لافتًا إلى أن محدودية الأماكن المتاحة للعلاج تجعل إحالة المتعاطين إلى برامج علاجية أمرًا صعبًا في كثير من الحالات.