صفحة ليبيا برس على فيسبوك
جانب من إغلاق المحتجين لمقر وزارة الخارجية الليبية ضمن إعلانهم العصيان المدني، 26 يوليو 2026

انقطاعات الكهرباء تفجّر احتجاجات غرب ليبيا.. والمحتجون يعلنون عصيانًا مدنيًا

قسم الأخبار
منشور الاثنين 27 تموز/يوليو 2026

شهدت العاصمة الليبية طرابلس ومدن الغرب الليبي، موجة من الاحتجاجات الشعبية العارمة، خلال الأيام الأخيرة، وصلت لإعلان العصيان المدني الشامل، أمس الأحد، بعد أن اندلعت في الأصل كحالة غضب شعبي ضد أزمة خانقة تمثلت في انقطاع التيار الكهربائي لساعاتٍ طويلة وسط موجة حر قياسية.

ومع استمرار انقطاعات الكهرباء، لم يقف الغضب الشعبي عند حد الشكوى من تدهور الخدمات؛ بل تصاعدت الاحتجاجات إلى أن تحولت إلى ما يشبه انتفاضة سياسية تطالب بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لا سيما بعد أن تمكن المحتجون من إغلاق مقار وزارات وهيئات حكومية ومنشآت نفط وغاز حيوية في البلاد.

 وتفاقمت أزمة الكهرباء غرب ليبيا بشكل حاد، منتصف يوليو/تموز الجاري، إثر عطل فني نتيجة انفصال خط نقل كهربائي رئيسي يربط بين محطتي مصراتة والخمس، ما تسبب في فقدان نحو 1350 ميجاوات من القدرة الإنتاجية، وأدى إلى دخول مناطق واسعة في حالة إظلام تام، حسب موقع إرم نيوز التابع لهيئة أبوظبي الإعلامية الحرة في الإمارات.

ورغم إعلان وزارة الكهرباء الليبية تفعيل اتفاق طارئ مع الحكومة المصرية لإعادة التغذية الكهربائية عبر خطوط الربط المشتركة لدعم تشغيل المحطات الرئيسية، فإن معاناة الانقطاعات الكهربائية استمرت بمناطق الغرب والجنوب لفترات طويلة تجاوزت في بعض المناطق 14 ساعة يوميًا، تزامنًا مع موجة حر شديدة تخطت فيها درجات الحرارة حاجز 47 درجة مئوية.

وعقب أيام من الاحتجاجات التقليدية، التي شملت قطع الطرق الفرعية وإشعال الإطارات المطاطية، دشن مواطنون ليبيون بالمناطق المتضررة من الأزمة مجموعات شعبية لإدارة الاحتجاجات منها  حراك "أهالي وشباب تاجوراء" وحراك "أبناء سوق الجمعة" في طرابلس، بالتزامن مع "حراك أبناء الزاوية"، وهي المجموعات التي أعلنت مؤخرًا، الدخول في مرحلة العصيان المدني الشامل.

وأغلق المحتجون باستخدام السواتر الترابية مقار وزارات ومؤسسات حكومية وحيوية في العاصمة؛ تضمنت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، ومقر الشركة القابضة للاتصالات، ومبنى قناة ليبيا الوطنية، لمنع الموظفين من الالتحاق بمكاتبهم وتجميد العمل الحكومي كليًا.

ولم يقتصر التصعيد على المقار الإدارية؛ إذ امتدت الحركة الاحتجاجية إلى المنشآت الاقتصادية الكبرى؛ حيث أغلق متظاهرون الطريق الساحلي أمام محطة كهرباء غرب طرابلس بمنطقة جنزور، متوجهين نحو مجمع مليتة للنفط والغاز الواقع غرب العاصمة.

ويمثل مجمع مليتة شريان الطاقة الرئيسي في البلاد والمسؤول عن ضخ الغاز الطبيعي إلى إيطاليا وأوروبا عبر خط أنابيب "جرين ستريم"، مما يهدد بنقل تداعيات الأزمة المحلية إلى سوق الطاقة الأوروبية في حال استمرار الإغلاق.

وإلى ذلك، حملت البيانات الصادرة عن الحراكات الشعبية في طرابلس وتاجوراء والزاوية مطالب سياسية واضحة تجاوزت سقف الخدمات؛ إذ طالب المحتجون برحيل حكومة الدبيبة التي وصفوها بـ"منتهية الولاية"، ومحاسبة المسؤولين المتورطين في قضايا إهدار المال العام، والإسراع بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لإنهاء حالة الانقسام السياسي.

وشددت البيانات على الطابع السلمي والمدني للعصيان، ورفض أي اعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، مع استثناء المستشفيات والمراكز الطبية وخدمات الإسعاف والطوارئ لضمان الرعاية الإنسانية للمواطنين.

لكن البيانات الصادرة عن مجموعات إدارة الاحتجاجات، لم تخل من توجيه تحذيرات شديدة اللهجة لجميع المؤسسات والوزارات الحكومية التي تم إغلاقها، مؤكدة على ضرورة استمرار إغلاقها بالكامل تماشيًا مع قرار العصيان الشامل، ومتوعدة من يخالف ذلك بتحمل "عواقب وخيمة".

واعتبرت مجموعة حراك "أبناء سوق الجمعة"، في بيان لها، أن محاولة الموظفين استئناف العمل داخل المقار المغلقة أو إزالة السواتر الترابية تُمثل عبثًا بقرار الشعب واستخفافًا بإرادته وتضحياته، مشددة على أن هذا العصيان أداة مستمرة تهدف حصرًا لإسقاط الحكومة، وليس حراكًا مؤقتًا يُدار وفقًا للمصالح الشخصية أو الفئوية.

وحذرت المجموعات الاحتجاجية السلطة التنفيذية والجهات المعنية من مغبة استفزاز الشارع أو الاستهانة بإرادة المواطنين، متوعدة بأن أي محاولة للالتفاف على العصيان المدني ستُقابل بتصعيد أوسع وباستخدام كافة الوسائل المتاحة.

وفي المقابل، التزمت حكومة الدبيبة الصمت التام، تجاه الاحتجاجات ومطالبها، إذ لم يصدر عنها أي بيانات أو تعليقات على تصاعد الاحتجاجات ووصولها لإعلان العصيان المدني، واقتصرت البيانات الصادرة من الجهات الحكومية على بيانات تنشرها الصفحة الرسمية للشركة العامة للكهرباء الليبية على فيسبوك، تعلن خلالها بين الحين والآخر نجاح طواقمها في إحلال وتجديد خطوط ومحولات كهربائية تسببت في اندلاع الأزمة.

ويأتي الحراك الليبي في ظل مشهد سياسي معقد يعاني من انقسام هيكلي مزمن؛ تتقاسم فيه إدارة البلاد حكومتان متنافستان على الشرعية والنفوذ، إذ تدير المنطقة الغربية حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة من العاصمة طرابلس، بينما تسيطر على المنطقة الشرقية حكومة موازية تتخذ من بنغازي مقرًا لعملها.

وتأسست حكومة الشرق عقب حصول الحكومة التي كان يترأسها فتحي باشاغا على ثقة مجلس النواب وفشلها في دخول العاصمة طرابلس لتبسط نفوذها، لتنتقل رئاستها لاحقًا إلى أسامة حماد الذي يقودها حاليًا تحت مسمى حكومة شرق ليبيا، وهو الانقسام الذي تسبب في تشتت الموارد الاقتصادية وتراجع كفاءة الخدمات العامة في البلاد.