تصوير هاجر عثمان، المنصة
جانب من مائدة حوار مؤسسة قضايا المرأة حول العنف التوليدي، 6 يوليو 2026

"قضايا المرأة" تفتح ملف "العنف التوليدي".. مطالبات بآليات محاسبة ودعوات لإصلاح المنظومة الصحية

هاجر عثمان
منشور الثلاثاء 7 تموز/يوليو 2026

نظمت مؤسسة قضايا المرأة المصرية، أمس الاثنين، مائدة حوار حول الانتهاكات التي تتعرض لها النساء أثناء الولادة بالمستشفيات، أو ما يُعرف حقوقيًا بـ"العنف التوليدي"، ركز خلالها النقاش على بحث سبل تعزيز خدمات الولادة والرعاية الصحية القائمة على الحقوق والكرامة الإنسانية.

وتأتي هذه الفعالية في أعقاب الجدل الواسع الذي أثارته شهادة الطبيبة أمنية سويدان في يونيو/حزيران الماضي على فيسبوك، والتي كشفت خلالها عن وقائع وصفتها بـ"الانتهاكات الممنهجة" ضد النساء، شملت التحرش بالمريضات أثناء الولادة، والاعتداء البدني، والامتناع عن تقديم الرعاية الطبية الطارئة لأسباب أخلاقية واجتماعية.

وعلى خلفية تلك الشهادة، قضت محكمة الجنح الاقتصادية، السبت الماضي، بحبس أمنية سويدان ستة أشهر مع وقف التنفيذ لمدة 3 سنوات، وتغريمها 20 ألف جنيه، لإدانتها في اتهامين يتعلقان بـ"نشر أخبار وبيانات كاذبة عبر الإنترنت بشأن مستشفى الشاطبي الجامعي".

الصحة ليست أولوية 

وإزاء ذلك الحكم، لم تُخفِ رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة عزة سليمان، في بداية النقاش، تحفظها على تعاطي الجهات الرسمية والمتخصصة مع أزمة الطبيبة أمنية سويدان، مؤكدة أن ظاهرة العنف التوليدي ليست وليدة بوست أمنية، بل هي قضية قديمة أثارها باحثون وأطباء من قبل، معقبة "وده حقيقي كارثة يعني".

وأوضحت عزة سليمان، في تصريحات لـ المنصة على هامش المائدة، أن الأزمة تتجاوز مصطلح العنف التوليدي لتطال المنظومة الصحية ككل، مؤكدة وجود تدهور كبير جدًا في النظام الصحي في مصر، بسبب تراجع مخصصات الصحة في الموازنة العامة، لصالح أولويات أخرى لدى الحكومة ليس من بينها المواطنين "الحكومة بتقترض علشان تطور الصحراء وبالتالي لا بقى فيه صحة ولا تعليم ولا حسبان أصلا لإحنا محتاجين إيه"، مشددة على أن مشكلة العنف التوليدي لن تحل دون دعم مادي حقيقي للنظام الصحي.

في غضون ذلك، حددت استشاري صحة المرأة، الدكتورة فريدة محجوب، الانتهاكات التي تشملها عمليات العنف التوليدي في أربع فئات رئيسة، مؤكدة أن فئتين من هذه الانتهاكات لا تقبلان التفاوض أو التغاضي في المرحلة الحالية، وهما انتهاك الكرامة والاحترام، بما يشمله ذلك من إساءات لفظية وجسدية وتحقير قد تتعرض له المرأة أثناء الولادة، مثل الصراخ أو التوبيخ أو الإهانة أو تأنيب أو لوم، إلى جانب أي اعتداء بدني، أو وضع بلاستر على الفم أو الرجل لتقييد حركتها أثناء الولادة.

فاعلية مؤسسة قضايا المرأة عن العنف التوليدي، 6 يوليو 2026

أما الفئة الثانية، حسب فريدة محجوب، فتشمل الإهمال الطبي وعدم مراعاة سلامة الرعاية السريرية، وما تتضمنه من عدم الالتزام بالإجراءات الطبية السليمة أو تجاهل احتياجات المرأة أثناء الولادة، مثل عدم توفير وسائل تسكين آلام الولادة.

وطالبت بتدشين منظومة فعالة للإبلاغ والشكاوى داخل وزارة الصحة ونقابة الأطباء، إلى جانب تفعيل مسارات التقاضي لضمان المساءلة والمحاسبة، متسائلة عن كيفية إثبات النساء للانتهاكات قانونًا داخل غرف الولادة المشتركة في ظل غياب آليات واضحة تسمح بذلك.

كما أوضحت أن الفئتين الثالثة والرابعة ترتبطان بانتهاك استقلالية المرأة وحقوقها، ثم انتهاك خصوصيتها، لافتةً إلى أن علاج هذه الممارسات يتطلب تغييرًا ثقافيًا ومؤسسيًا تدريجيًا لتمكين المرأة من المشاركة في وضع خطة ولادتها، ومعالجة ضعف البنية التحتية في المستشفيات مثل انتشار أكشاك الولادة المشتركة.

وأشارت إلى أنه حتى في ظل محدودية الإمكانات الحالية، يمكن اتخاذ إجراءات بسيطة لحماية خصوصية السيدات، مثل توفير ستائر فاصلة بين أسرّة الولادة داخل الغرف المشتركة.

إفساد ممنهج

وفي سياق متصل، لم تنكر عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي مها عبد الناصر، وجود العنف التوليدي كحقيقة قائمة في المستشفيات الحكومية والخاصة على حد سواء، لكنها عزت جذورها إلى ما وصفته بـ"الإفساد الممنهج وتدهور المنظومة الصحية منذ عقود"، مشيرة إلى عدم توجيه الحكومة المنح الدولية المخصصة للصحة والتعليم في مساراتها الصحيحة.

ودافعت النائبة عن الأطباء المقيمين "النواب" الذين يعملون تحت ضغوط قاسية تصل إلى 36 ساعة عمل متواصلة، بمعدلات استيعاب تفوق الطاقة الاستيعابية للمستشفيات وفي ظل نقص المستلزمات الطبية ومسكنات الآلام الأساسية "الدكتور بيجي له 10 نساء في كشك الولادة، وليس لديه سوى 4 أسرّة، وسِتّات تانيين بيصرخوا على الأرض وهو مش عارف يعمل إيه".

وتؤكد مها عبد الناصر أنها لا تبرر سلوك الأطباء في هذا المقام ولا تمنحه أعذارًا  "لكنهم في الآخر بني آدمين" في إشارة إلى استنفاد طاقاتهم في كثير من الأحيان.

وتلوم مها عبد الناصر على الطبيبة أمنية سويدان صياغة بوست انتهاكات مستشفى الشاطبي على النحو الذي نُشر به، معتبرة أنه أساء لعموم الأطباء وتسبب في ترهيب السيدات، خاصة في الصعيد، من الذهاب للمستشفيات التعليمية والعودة للولادة المنزلية غير الآمنة.

وأكدت أنه يجب قبل إدانة الأطباء، أن توجه الإدانة لكل المسؤولين عن المنظومة الصحية والذين تركوها تصل لهذا الحال من الانهيار دون إرادة حقيقية لمواجهتها.

لكنها في الأخير، ترى أن العنف ضد النساء بشكل عام "وصل لمرحلة في الحقيقة لم يعد من المقبول السكوت عليها"، معلنة تبنيها مشروع "قانون العنف الموحد" تحت قبة البرلمان لمواجهة كافة أشكال العنف "تشريعيًا".

الميثاق الوطني لـ"ولادة آمنة"

وبالتزامن مع انعقاد مائدة الحوار، أعلنت النقابة العامة للأطباء، أمس انتهاء اللجنة المشتركة من إعداد "الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة"، والذي يستهدف ضمان حق المرأة في ولادة آمنة وكريمة.

وفي تفاصيل إعداد ذلك الميثاق، قال الأمين العام المساعد للنقابة، الدكتور خالد أمين لـ المنصة، إن النقابة عمدت إلى تسمية الأمر في الميثاق بـ"الولادة الآمنة" بدلًا من "العنف التوليدي" الذي يرى أنه يخلق حالة عدائية بين الأطباء والمرضى، مشيرًا إلى أن التجاوزات الفردية ترتبط بقصور في إمكانات المنظومة كعجز الأدوية المسكنة.

وأكد أمين أن النقابة أقرت بوجود تجاوزات وعنف يمارسه بعض مقدمي الخدمة، لذا تضمن الميثاق الجديد مقترحًا بإنشاء خط ساخن لتلقي الشكاوى بالتنسيق مع المجالس القومية المتخصصة ووزارة الصحة، ضمن إطار زمني محدد للتحقيق في الشكاوى وتوفير الحماية للشاكيات.

وعن موقف النقابة من واقعة الطبيبة أمنية سويدان ومدى تقديم الدعم النقابي لها، أوضح أمين أن الطبيبة لم تطلب الدعم النقابي رسميًا، مبديًا تحفظ النقابة هو الآخر، على اللغة المستخدمة في منشورها، مؤكدًا ورود معلومات للنقابة تفيد بتراجع معدلات تردد الحوامل على أقسام التوليد بمستشفى الشاطبي بالإسكندرية عقب انتشار المنشور، ما أدى لوفاة حالات آثرت الولادة المنزلية نتيجة التخوف والوصم الاجتماعي.