صفحة وزارة الثقافة المصرية- فيسبوك
دار الكتب والوثاق القومية والهيئة المصرية العامة للكتاب

بعد أزمة دار الكتب.. مخاوف من الرقابة على حرية الإبداع وتفاؤل بحلها

هاجر عثمان
منشور الخميس 21 أيار/مايو 2026

وصف الكاتب والروائي عزت القمحاوي إلزام الناشرين بتقديم نسخة من المؤلفات قابلة للتعديل والنسخ كشرط للحصول على رقم الإيداع بـ"رقابة مسبقة" تتجاوز صلاحيات الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، فيما أكد رئيس اتحاد الناشرين فريد زهران أن الأزمة في طريقها للحل.

شهد الوسط الثقافي والأدبي حالة من الغضب خلال اليومين الماضيين، بعد قرار الهيئة رقم 198 لسنة 2026، بإلزام الناشرين تقديم نسخة كاملة من المؤلفات بصيغة وورد/Word قابلة للتعديل والنسخ كشرط للحصول على رقم الإيداع.

وفي حديثه مع المنصة لخص القمحاوي خطورة القرار في سببين؛ الرقابة على الإبداع، واحتمالية السطو على العمل الإبداعي.

وأوضح أنه وفقًا لهذا القرار تتحول دار الكتب من جهة توثيق وأرشفة للإبداع والفكر المصري إلى جهة رقابة على المؤلف، والثاني وضع فكر وإبداع المؤلفين تحت احتمالات السطو والقرصنة والاستغلال قبل أن يُنشر الكتاب.

"أنا لا أضمن ما هي المسارات التي يأخذها هذا النص المفتوح، بشكل يبدو وكأنه رقابة مسبقة على عملية النشر والإبداع وهي غير قانونية بالمرة منذ رفع الرقابة على يد الرئيس محمد أنور السادات" أضاف القمحاوي.

من جانبها تقدمت الأديبة وعضوة مجلس النواب ضحى عاصي بطلب إحاطة موجه لرئيس مجلس الوزراء ووزيرة الثقافة بخصوص القرار، قائلة لـ المنصة إنها تلقت القرار "بتعجب شديد"، مشيرة إلى أنها متفهمة لحالة الغضب بين المؤلفين، "لأن أنا ككاتبة في الأصل ليه أقدم النص الخاص بي قبل النشر على نسخة وورد قابلة للحذف أو النسخ".

وأضافت "مع افتراض حسن النوايا، يظل هذا خطرا لأن النص لم ينشر بعد، وهو أمر مقلق لأي كاتب".

الجرافات تصل لقطاع النشر

واستنكر القمحاوي السرية التي صيغ بها هذا القرار، موضحًا "بحثت عن أصل القرار لم أعثر على شيء، حتى بيان اتحاد الناشرين يكشف أنه لم يكن يعرف بصدور هذا القرار، إلا من خلال شكاوى الناشرين أنفسهم للاتحاد بعدما واجهوا صعوبات تطبيق القرار الجديد".

وشبه القمحاوي القرار بالجرافات التي تظهر فجأة لإزالة البيوت والترام وتقطع الأشجار من أجل إنشاء الكباري، وقال "واضح أن الجرافة اشتغلت في قطاع النشر كما اعتادت الجرافة أن تفعل"، مضيفًا "أن يظهر خلف ضجيجها بيانات رسمية ليست ممهورة بتوقيعات مسؤولين حتى لا تُحسب عليهم في التاريخ، ونصبح وكأننا نحارب طواحين الهواء لشيء خفي لا نعلم عنه شيئًا".

وأكد القمحاوي أن هذه ليست قضية اتحاد الناشرين فقط، ولكنها قضية "مجتمع بأكمله"، مضيفًا "لا توجد صناعة تؤسس لوجودنا ولوجود الكيان الاجتماعي والسياسي للدولة، كما تفعل صناعة النشر".

وطالب القمحاوي "موظفي الحكومة الكبار من الوزراء وغيرهم، أن يكفوا عن الطنطنة بكلمة قوة مصر الناعمة، لأنهم يعاملونها بهذه الخشونة"، حسب قوله.

ومن جانبه قال رئيس اتحاد الناشرين فريد زهران لـ المنصة إنه لا يوجد قانون يلزم دار الكتب أو الوزارة بضرورة الرجوع لاتحاد الناشرين، لافتًا إلى أن الاتحاد فوجئ "بالقرار الجديد من خلال شكاوى الناشرين المتضررين، الذين صرحوا بأن معاملاتهم رُفضت ما لم يمتثلوا للشروط المستحدثة".

وأشار إلى أن الأزمة ليست فقط في إرسال نسخة كاملة من العمل بصيغة وورد، "بل طلب الموظفين من الناشرين كتابة رقم تليفون المؤلف ورقمه القومي على الكتاب، وعدم حصول الكتاب الأقل من 48 صفحة على رقم إيداع، علمًا بأن 50% من كتب الأطفال أقل من 48 صفحة، بالإضافة لكتابة سعر الكتاب، وهو طلب غير مفهوم وليس له علاقة برقم الإيداع".

بيان توضيحي يزيد التساؤلات

بعدما أثار القرار أزمة في الأوساط الثقافية أصدرت دار الكتب بيانًا توضيحيًا للقرار، في 19 مايو/آيار الجاري، جاء فيه أن إيداع نسخة رقمية من المصنف ليس جديدًا، ومعمول به منذ عام 2017 وفقًا للقرار رقم 363 لسنة 2017 والتعديل الذى تم إجراؤه على المادة الثالثة جاء بهدف دعم إجراءات الحوكمة والميكنة والتحول الرقمى بالدار.

وانتقد اتحاد الناشرين المصريين بيان دار الكتب، كونه "لم يتعرض لنقاط جوهرية هي أساس الأزمة ومحور مخاوف وشكاوى الناشرين، ولم يلتفت إليها مطلقًا".

وأشار الاتحاد إلى أن بيان دار الكتب "لم يتطرق بيان دار الكتب إلى أسباب اشتراط إلزام الناشر بتسليم نسخة كاملة من العمل بصيغة ملف وورد قابلة للتعديل والنسخ".

وتابع "إذا كان هذا الاشتراط صحيحًا ومطبقًا بالفعل كما جاء في شكاوى الناشرين، فإننا نتساءل لماذا تشترط الدار هذه الصيغة المفتوحة بالذات؟ وما هي المسوغات القانونية والمهنية لذلك، رغم استقرار الأوضاع والعمل بشكل آمن ومنتظم منذ نحو 10 سنوات على تسليم الملفات بصيغة PDF غير القابلة للتعديل؟ وفقًا للقرار رقم 363 لسنة 2017 الذي أثار تحفظات كثيرة عند صدوره".

وأشار فريد زهران إلى أن الاتحاد استفسر عن القرار في أول بيان له حول الأزمة، ولكن جاء رد دار الكتب ملتبسًا، لم تنكر فيه ما ورد على لسان موظفيها، "لذا اعتبرنا عدم إنكار الأمر هو نوع من الإقرار به، وهو ما استنكرناه في بيان الاتحاد الثاني واعتبرناه مساسًا لحرية النشر والخصوصية الإبداعية".

وتعليقًا على بيان دار الكتب، قالت ضحى إنه "حتى لو بنعمل رقمنة، لازم نراعي إن الحاجات تتعمل بالشكل الذي لا يثير قلق الكُتاب ولا يؤثر على مساحة حرية الإبداع التي كفلها الدستور للمبدعين".

وأكدت أنه لا مساس بالمكتسبات التي كفلها الدستور لحرية الإبداع، وقالت "أي قرار هيمس هذه المكتسبات هيكون غير مقبول بالنسبة لي ككاتبة ثم عضوة في البرلمان، وأعتقد بالنسبة للمجلس ده مش مقبول، في النهاية سننتصر كبرلمان لهذه المكتسبات التي منحها الدستور للمثقفين المصريين".

وتنص المادة (67) من دستور 2014 على أن "حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة".

واعتبر القمحاوي أن قرار 2017 كان العدوان الأول الذي مارسته دار الكتب، وأوصلنا للعدوان الثاني، لافتًا إلى أن "الكتب تخضع للتعديل باستمرار حتى قبل دوران المطبعة بلحظات وهذا حق المؤلف، ولكي تكون الأرشفة سليمة، يجب أن تظل نسخ دار الكتب لاحقة للطبع بصفتها جهة حفظ وإتاحة للباحثين، أي بعد إفشاء النص المطبوع للجمهور الذي بدوره سيصبح شاهدًا على المحتوى".

هجرة الكتاب

لم ينكر رئيس اتحاد الناشرين مخاطر الإبقاء على هذا القرار وتأثيره على صناعة النشر في مصر، قائلًا "طبعا ممكن يحصل عزوف للناشرين والمؤلفين في مصر للنشر".

وأشار إلى أن "هناك عدد كبير من الناشرين مؤخرًا ونتيجة لأسباب كثيرة اضطروا لفتح دور نشر في بعض الدول الخليجية، وهذا طبيعي جدًا لما يبقى المناخ مش مواتي في بلدنا الناس بتطلع بره، هنعمل إيه بس؟!".

وأكد القمحاوي أنه لو تم الإبقاء على هذا القرار سيتجه للنشر خارج مصر أو "احتفظ بما أكتبه لحين ميسرة، في الحقيقة نحن نواجه تغول ومناخ لا يبشر أبدًا بمستقبل عملية النشر، مَن مِن الكتاب سيرضى بزحف الجرافة على ما يكتب؟ المستقبل في يد الغيب يعني".

وعن لجوئها كأديبة للنشر خارج مصر كأحد المسارات البديلة التي يفكر فيها بعض المؤلفين حال الإبقاء على هذا القرار، قالت ضحى " لأ، أنا عندى انتماء لمصر جدًا، وماحبش أن أنشر بره بلدي، لكن اللي أقدر أعمله كبرلمانية، إن أجاهد إن القرار يخرج بالشكل الذي يضمن لكل الكتاب المصريين الاطمئنان، وإنهم ما يلجأوش لدور نشر بره البلد".

الأزمة في طريقها للحل

ورغم عدم صدور ما يشير إلى إنهاء الأزمة، قال زهران إن هناك "تطور إيجابي"، موضحًا أنه "بعد بيانات الاتحاد الموضوع اتحرك بسرعة خلال اليومين الماضيين، وفيه استجابات سريعة، فالناشرين الذين ذهبوا أمس لدار الكتب أبلغونا إنهم لم يطلب منهم ما طُلب في الأيام الماضية".

وفسر زهران ذلك بقوله "هناك كذا معنى محتمل لما حدث، إما فيه قرار صدر فعلًا وبيتم التراجع عنه بعد الأزمة، يا إما لم يكن هناك قرار أصلًا وكان مجرد تفكير وتم صرف النظر عنه، يا إما موظفي الهيئة فهموا الموضوع غلط واجتهدوا بطريقة خاطئة، أو هناك قرار وجاري مناقشته وإعادة النظر فيه، كل اللى بيحصل إيجابي في النهاية".