تصوير محمود عطية، المنصة
جانب من ندوة حول مشروع قانون الأسرة نظمها حزب الدستور، 16 مايو 2026

"تناقضات وصياغاته مرتبكة".. انتقادات حقوقية وبرلمانية لمشروع قانون الأسرة

محمود عطية
منشور الأحد 17 أيار/مايو 2026

انتقد حقوقيون وبرلمانيون مشروع قانون الأسرة الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب خلال دور الانعقاد الحالي، محذرين من تمرير بعض مواده بصيغتها الحالية، معتبرين أنه يثير إشكاليات تتعلق بالحضانة والاستضافة والنفقة وإثبات النسب، إلى جانب افتقاده لما وصفوه بـ"فلسفة واضحة" تنظم العلاقة الأسرية وتحفظ المصلحة الفضلى للطفل.

وجاءت الانتقادات خلال ندوة نظمها حزب الدستور، مساء السبت، بمقر الحزب في وسط القاهرة، بمشاركة رئيسة الحزب وفاء صبري، وعضوة مجلس الشيوخ أميرة صابر، ورئيسة جمعية نهوض وتنمية المرأة إيمان بيبرس، والمحامي الحقوقي وعضو لجنة العفو الرئاسي طارق العوضي، والمديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة نيفين عبيد.

وانتقد العوضي عددًا من مواد مشروع القانون، معتبرًا أن بعضها يعاني من عيوب في الصياغة قد تفتح الباب أمام تفسيرات قضائية متباينة، خاصة في المواد المتعلقة بإثبات النسب ومدد الحمل.

المحامي الحقوقي طارق العوضي متحدثًا خلال ندوة حول مشروع قانون الأسرة نظمها حزب الدستور، 16 مايو 2026

وقال العوضي لـ المنصة، على هامش الندوة، إن المشروع يتضمن "تناقضات قانونية وشرعية"، موضحًا أن المادة 98 تثير إشكاليات بشأن الحد الأدنى لإثبات النسب ومدد الحمل، مضيفًا "إذا كان الطفل أقل من ستة أشهر بيوم لا يُنسب للأب، وبعد يوم واحد فقط يصبح ابنه؟".

واعتبر العوضي أن مشروع القانون بصيغته الحالية "لن يخرج بهذا الشكل"، متوقعًا إدخال تعديلات واسعة عليه، في ظل ما وصفه بحالة "الاستعجال" في طرحه، مضيفًا أن بعض المواد تتضمن إجراءات قد تفرض أعباء إضافية على المحاكم، "مين القاضي اللي عنده وقت يفتح كل التحقيقات دي؟".

وفي كلمته خلال الندوة، قال العوضي إن مشروع القانون يفتقد إلى "فلسفة واضحة" تحقق المصلحة الفضلى للطفل، معتبرًا أن الهدف الأساسي لأي تشريع للأحوال الشخصية يجب أن يكون الحفاظ على استقرار الأسرة، وليس "إدارة النزاع" بعد الانفصال.

جدل النفقة وإثبات الدخل الحقيقي

وفيما يتعلق بالنفقة، رأى العوضي أن بعض التقديرات الحالية لا تراعي تكاليف المعيشة الفعلية، خاصة مع صعوبة إثبات الدخول الحقيقية، موضحًا "حضرتك مدي الست ألف جنيه في الشهر، يعني 30 جنيهًا تقريبًا في اليوم"، مشيرًا إلى أن مستوى الدخل المُعلن لا يعكس دائمًا القدرة الحقيقية على الإنفاق. 

وعن تحديد النفقة بصورة صحيحة، قال "فيه واحد بيقول إن دخله خمسة آلاف جنيه لكنه بيسافر أوروبا خمس مرات في السنة، وإحنا ممكن من كشف حساب تحويلات المحافظ الإلكترونية أو إنستاباي نعرف الراجل ده معاه كام تقريبًا ونقدر نحدد مبلغ النفقة بصورة أفضل".

من جهتها، انتقدت إيمان بيبرس غياب آليات واضحة لتنفيذ "التسليم والتسلم" في قضايا الاستضافة، معتبرة أن ذلك قد يفتح الباب أمام نزاعات جديدة بين الطرفين، قائلة "ممكن حد يقول أنا مستلمتش الطفل".

وأضافت إيمان بيبرس خلال كلمتها، أن كثيرًا من الحاصلين على أحكام الرؤية أو الحضانة لا يتمكنون من تنفيذها فعليًا، معربة عن تحفظها على طرح الاستضافة بصيغته الحالية، ومشيرة إلى أن تطبيق أنظمة الحضانة المشتركة في بعض الدول يرتبط بوجود جهات رقابية وخدمات حماية طفل تتابع أوضاع الأطفال بصورة دورية.

وقالت إن "النساء مرعوبات من القانون"، معتبرة أن جزءًا من المخاوف يرتبط بعدم وضوح آليات التنفيذ والرقابة المتعلقة بالحضانة والاستضافة.

"تفكير غربي"

بدورها، قالت وفاء صبري إن بعض البنود المطروحة في مشروع القانون تعكس تصورًا أقرب إلى "النماذج الغربية" في إدارة العلاقات الأسرية بعد الانفصال، معتبرة أن بنية الأسرة المصرية تختلف عن السياقات التي طُبقت فيها تلك النماذج.

كما انتقدت حالة الاستقطاب المصاحبة للنقاشات حول مشروع القانون، معتبرة أن "حالة الشحن على السوشيال ميديا ساهمت في تصاعد المخاوف والاتهامات المتبادلة".

من جانبها، قالت أميرة صابر إن النقاش الدائر حول مشروع القانون تحول في أحيان كثيرة إلى "خناقة بين الطرفين"، بدلًا من التعامل معه باعتباره تشريعًا ينظم أوضاع الأسرة والطفل.

ودعت إلى إجراء دراسة أثر تشريعي قبل إقرار القانون، معتبرة أن بعض التشريعات تصدر أحيانًا "بأهواء سياسية"، مضيفة "أتمنى إن الدراسة الجادة متستغرقش أقل من سنة".

النائبة أميرة صابر متحدثة خلال ندوة حول مشروع قانون الأسرة نظمها حزب الدستور، 16 مايو 2026

وفي تصريحات لـ المنصة، على هامش الندوة، انتقدت أميرة صابر مشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم من حزب حماة الوطن، لا سيما المادة الخاصة بخفض سن الزواج إلى 16 عامًا، معتبرة أن تقنين الزواج دون 18 عامًا "يفتح بابًا خطيرًا للاستثناءات".

وأضافت أن الأطفال الناتجين عن زيجات غير موثقة أو تتم تحت السن القانونية يواجهون مشكلات تتعلق بالحصول على الأوراق الرسمية والخدمات الأساسية، مؤكدة رفضها "تقنين الزواج المبكر".

ودعت صابر إلى إيجاد آليات قانونية تحمي الأطفال الناتجين عن هذه الزيجات، مع تشديد العقوبات على المتورطين فيها "لازم يكون عندك إجراء ميظلمش الطفل، لكن يعاقب المتورطين".

مسارات قانونية لا تنتهي

من جهتها، قالت نيفين عبيد إن جزءًا من أزمات التقاضي في قضايا الأحوال الشخصية يرتبط بغياب آلية موحدة وسريعة للتعامل مع النزاعات الأسرية، معتبرة أن المتقاضين يواجهون مسارات طويلة ومعقدة.

وأضافت أن النساء يتحملن الجزء الأكبر من أعباء الرعاية والعمل غير المدفوع، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من الأسر تعولها نساء، يعمل عدد كبير منهن في القطاع غير الرسمي، ما يجعلهن خارج مظلات الحماية الاجتماعية.

واستحوذ ملف ترتيب الحضانة على جزء من النقاش، إذ وصفت وفاء صبري رفع الأب إلى المرتبة الثانية في ترتيب الحضانة بأنه "تفكير غربي"، بينما طالبت إيمان بيبرس بإعادة ترتيب الأولويات لتكون الأم أولًا، ثم والدة الأم، ثم الجدة من ناحية الأب، على أن يأتي الأب لاحقًا.

في المقابل، انتقد طارق العوضي الاتجاه إلى وضع قواعد موحدة تطبق على جميع الحالات الأسرية، معتبرًا أن "قاعدة العمومية لا يمكن تطبيقها على الجميع"، داعيًا إلى منح القضاة مساحة أوسع للتقدير وفق ظروف كل أسرة.

كانت الحكومة أحالت مشروع قانون الأسرة إلى مجلس النواب في 4 مايو/أيار الجاري، عقب توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، منتصف أبريل/نيسان الماضي، بسرعة الانتهاء من إعداد تشريعات الأحوال الشخصية.