ويكيبيديا
متحف اللوفر الفرنسي

بعد مصادقة ماكرون.. هل تستعيد مصر آثارها المسروقة لدى فرنسا؟

جاسر الضبع
منشور الاثنين 11 أيار/مايو 2026

فتح تصديق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مشروع قانون يتيح إعادة الآثار المنهوبة أو المسروقة إلى دولها الأصلية، بابًا جديدًا للنقاش حول مصير آلاف القطع المصرية الموجودة في فرنسا، وعلى رأسها المعروضة بمتحف اللوفر، بعدما ظل هذا الملف عالقًا لعقود بين القيود القانونية والإرث الاستعماري الأوروبي.

ويأتي القرار في وقت تتصاعد فيه المطالب الدولية بإعادة الممتلكات الثقافية التي خرجت من بلدانها خلال فترات الاحتلال والاستعمار، ما أعاد إلى الواجهة مطالب مصرية قديمة باسترداد قطع أثرية غادرت البلاد خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، سواء عبر الإهداءات الرسمية أو من خلال شبكات القناصل وتجار الآثار الأجانب.

اللوفر في قفص الاتهام

معرض مصر القديمة، متحف اللوفر، باريس، فرنسا. التقطت في 15 يوليو عام 2016

ويكشف المدير العام السابق للإدارة العامة لاسترداد الآثار دكتور شعبان عبد الجواد لـ المنصة، أن اللجنة الدائمة للآثار المصرية أوقفت التصاريح المرتبطة ببعثات تابعة للوفر بعد ظهور أسماء مرتبطة بالبعثات ضمن تحقيقات الفرنسية مرتبطة بسرقة آثار مصرية.

وكانت السلطات الفرنسية فتحت منذ 2022 تحقيقًا بشأن شراء قطع أثرية مصرية يُشتبه في تهريبها بعد 2011 لصالح متحف اللوفر أبوظبي، وهي القضية التي شملت اتهامات طالت الرئيس السابق لمتحف اللوفر جان لوك مارتينيز وعددًا من المتخصصين في الآثار المصرية.

"فرنسا أكثر دولة سرقت آثارًا من مصر والفرنسيون متغطرسون للغاية" يقول عبد الجواد لـ المنصة.

في المقابل، وصف عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية حسين عبد البصير الخطوة الفرنسية بأنها "إيجابية جدًا"، معتبرًا أن القاهرة تمتلك ملفًا واسعًا من القطع الموجودة في فرنسا، بينها مقتنيات خرجت من معبد دندرة وتمثال الكاتب المصري المحفوظ في اللوفر.

وأوضح عبد البصير لـ المنصة أن آلاف القطع الأثرية خرجت من مصر خلال فترات تاريخية مختلفة، خصوصًا في ظل التنافس المحموم بين القناصل الأوروبيين على اقتناء الآثار المصرية. وأضاف أن فرنسا وبريطانيا تتصدران قائمة الدول التي تضم أكبر مجموعات الآثار المصرية خارج البلاد، مشيرًا إلى أن المتحف البريطاني واللوفر تشكّلا في فترة كان فيها إخراج الآثار من مصر يتم على نطاق واسع، قبل صدور قانون 117 لسنة 1983 الذي حظر خروج الآثار بشكل دائم.

ورغم ذلك، لا يتوقع عبد البصير أن يؤدي أي مسار محتمل لاسترداد الآثار المصرية إلى "إفراغ" اللوفر من مقتنياته، لكنه يرى أن الجناح المصري داخل المتحف يمثل أحد أبرز أقسامه، وأن استعادة أجزاء من هذه المقتنيات "ستُحدث بلا شك تغييرًا داخل المتحف".

تمثال أبو الهول المصري القديم معروض داخل ممر المتحف.

تواصلوا مع الخارجية

وحاولت المنصة التواصل مع وزارة السياحة والآثار المصرية لطلب تعليق أو الاستفسار عمّا إذا كان هناك تحرك مرتقب من الحكومة المصرية للاستفادة من القانون الجديد، إلا أن الوزارة امتنعت عن التعليق. وقالت المستشارة الإعلامية للوزارة نيفين العارف أن هناك "تعليمات بعدم الرد على أي استفسارات تتعلق بهذا الملف في الوقت الحالي". فيما رفضت الكشف عن مصدر تلك التعليمات. 

كما أوضحت أن ممثلي الوزارة القانونيين لم يتسلموا بعد النص الرسمي للقانون الفرنسي، وأنهم ينتظرون دراسته قبل إبداء أي موقف. وأضافت "حتى ذلك الحين يمكنكم التواصل مع وزارة الخارجية". وتواصلت المنصة مع وزارة الخارجية لسؤالها وطلب تعليق إلا أن الوزارة لم تجب حتى وقت كتابة هذا التقرير.

وتضم قاعات الآثار المصرية في متحف اللوفر أكثر من 6 آلاف قطعة معروضة، تغطي نحو 5 آلاف سنة من تاريخ مصر القديمة، يتقدمها تمثال أبو الهول الكبير من تانيس عند مدخل القسم إلى جانب تمثال الكاتب الجالس، ومصطبة أخ حتب ودائرة أبراج معبد حتحور بدندرة، وتابوت تاموت نفرت، وتماثيل ملوك وملكات من عصور مختلفة بينهم سنوسرت الثالث، حتشبسوت، أمنحتب الثالث، أخناتون، وقناع نفرتيتي الذهبي، ورمسيس الثاني.

كما تعرض القاعات قطعًا بارزة من الدولة الحديثة والعصور اللاحقة، بينها تماثيل رمسيس الثاني الضخمة، ووعاء القائد جحوتي، ونقش من مقبرة سيتي الأول، إضافة إلى لوحة كليوباترا السابعة، وتمثال كاروماما، وقلادة أوسركون الثاني الذهبية التي تجسد أوزيريس وإيزيس وحورس. وتعود تلك القاعات إلى متحف شارل العاشر، أول متحف مصري داخل اللوفر افتتح عام 1827 بإدارة جان فرانسوا شامبليون، ويخصص المتحف كذلك قاعات خاصة لمصر الرومانية والقبطية، تحتوى على نحو 800 قطعة آثرية. 

تاريخ منهوب

بدا القرار الفرنسي، داخل الأوساط الأثرية المصرية، فرصة لإعادة طرح ملفات أكثر حساسية تتجاوز القطع المعروضة في المتاحف إلى أرشيفات ومقتنيات مرتبطة بتاريخ الحملة الفرنسية نفسها.

علقت الباحثة الأثرية مونيكا حنا في بوست على صفحتها على فيسبوك على القرار، باستعادة آثار قالت إنها "نُهبت" من مصر، من بينها مقتنيات من السيرابيوم والقبة السماوية ومخطوطات خرجت من مكتبة الجامع الأزهر خلال الحملة الفرنسية وتوجد حاليًا في المكتبة الوطنية الفرنسية، إضافة إلى جمجمة سليمان الحلبي المحفوظة في متحف الإنسان بباريس والخنجر المرتبط باغتيال الجنرال الفرنسي كليبر.

وظلّت المتاحف الأوروبية الكبرى لعقود تتعامل مع تلك المقتنيات باعتبارها جزءًا من التراث العالمي، بينما تصفها دول المنشأ بأنها نتاج مباشر لعدم تكافؤ القوة خلال الحقبة الاستعمارية.

وخلال السنوات الأخيرة، واجهت مؤسسات أوروبية كبرى ضغوطًا متزايدة لإعادة مقتنيات أفريقية وآسيوية، خصوصًا بعد تقارير فرنسية وأوروبية أوصت بمراجعة سياسات الاحتفاظ بالآثار التي خرجت في ظروف غير عادلة أو خلال الاحتلال.

كما كثّفت دول مثل مصر واليونان ونيجيريا حملاتها الدبلوماسية والثقافية خلال السنوات الماضية لاستعادة قطع تعتبرها جزءًا من هويتها الوطنية وتاريخها التاريخي.

وبينما لا تزال تفاصيل تطبيق القرار الفرنسي وآلياته القانونية غير واضحة بالكامل، ينظر أثريون مصريون مثل حنا وعبد البصير وعبد الجواد إلى مصادقة ماكرون باعتبارها اختبارًا عمليًا لمدى استعداد باريس للانتقال من الاعتراف الرمزي بميراث الاستعمار إلى إعادة فعلية للمقتنيات الموجودة داخل متاحفها ومؤسساتها الثقافية.

ويمثل القانون امتدادًا لتعهد أطلقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطاب ألقاه عام 2017 في واجادوجو، عاصمة بوركينا فاسو، حين تحدث عن ضرورة إعادة النظر في علاقة فرنسا بالإرث الثقافي للدول التي خضعت للاستعمار، وتعهد بتهيئة الظروف اللازمة لإعادة بعض القطع الإفريقية الموجودة في المتاحف الفرنسية.

لكن مسار الاسترداد ظل بطيئًا خلال السنوات الماضية، إذ تخضع المقتنيات الموجودة ضمن المجموعات العامة الفرنسية لقيود قانونية معقدة تمنع التصرف فيها إلا عبر تشريعات خاصة يقرها البرلمان، وهو ما جعل عمليات الإعادة تتم على نطاق محدود وبصورة متقطعة وفق هيئة الإذاعة والتليفزيون السويسرية.