تراجعت حدة التصعيد في الشرق الأوسط، صباح اليوم الأربعاء، مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق عملية "مشروع الحرية" التي أطلقها قبل يومين لـ تحرير السفن في مضيق هرمز، وسط تقارير عدة عن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من صياغة اتفاق لوقف الحرب المستمرة منذ نهاية فبراير/شباط الماضي.
ومساء أمس، قال ترامب إنه سيعلّق العملية العسكرية في محاولة للتوصل إلى اتفاق مع إيران، وكتب عبر تروث سوشيال أنه "بناء على طلب باكستان ودول أخرى، والنجاح العسكري الهائل الذي حققناه خلال الحملة ضد إيران، إضافة إلى حقيقة إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي مع ممثلي إيران، فقد اتفقنا على تعليق مشروع الحرية لفترة قصيرة لمعرفة ما إذا كان يمكن استكمال الاتفاق وتوقيعه أم لا".
وأشار الرئيس الأمريكي في البوست أن حصاره للمواني الإيرانية ومضيق هرمز سيظل مستمرًا لحين التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي.
في السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إن الولايات المتحدة أنهت عملياتها الهجومية على إيران، مضيفًا في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض مساء أمس، أن عملية "الغضب الملحمي" انتهت، وأن "الأولوية الأمريكية الآن تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز"، والذي كان مفتوحًا بالأساس قبل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
واليوم الأربعاء، نقلت رويترز عن مصدر باكستاني قالت إنه مشارك في جهود الوساطة، أن الطرفين "يقتربان جدًا" من التوصل إلى مذكرة تفاهم من صفحة واحدة، مؤكدًا صحة تقرير نشره موقع أكسيوس الأمريكي في السياق نفسه، مضيفًا "سننهي هذا الأمر قريبًا جدًا.. نحن نقترب من ذلك".
وذكر أكسيوس نقلًا عن مصادر أمريكية لم يسمها، أن واشنطن وطهران باتتا على مسافة قصيرة من اتفاق أولي غير مسبوق، يقوم على مذكرة تفاهم مختصرة تمهّد لمفاوضات أوسع وأكثر تفصيلًا حول البرنامج النووي الإيراني وترتيبات ما بعد الحرب، وفق ما نقلته مصادر أمريكية مطلعة.
48 ساعة من أجل الاتفاق
حسب أكسيوس، فإن واشنطن تنتظر خلال الـ48 ساعة المقبلة ردودًا إيرانية على حزمة نقاط أساسية، في وقت لم يُحسم فيه أي اتفاق نهائي بعد، لكن التقديرات تشير إلى أن هذه "أقرب نقطة وصلت إليها المفاوضات منذ اندلاع الحرب".
وأشار الموقع الأمريكي إلى أن المسودة المطروحة تتضمن التزامًا إيرانيًا بوقف تخصيب اليورانيوم، مقابل شروع الولايات المتحدة في رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب تخفيف القيود المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز.
لكن الاتفاق بحسب ما هو مطروح لا يزال مشروطًا باتفاق نهائي لاحق، ما يترك الباب مفتوحًا أمام احتمالين متناقضين؛ تسوية تدريجية للصراع، أو عودة التصعيد في حال انهيار التفاهمات.
ووفق أكسيوس، ترى واشنطن أن القيادة الإيرانية لا تزال منقسمة داخليًا، وهو ما قد يعقّد الوصول إلى موقف موحد داخل طهران، فيما لا يزال بعض المسؤولين الأمريكيين متشككين في إمكانية تثبيت اتفاق حتى على مستوى المبادئ الأولية.
مذكرة من 14 نقطة
ورغم ذلك، قال مسؤولون أمريكيون لأكسيوس إن قرار ترامب بالتراجع عن خطوات تصعيدية مرتبطة بمضيق هرمز، وتفادي انهيار وقف إطلاق النار الهش، جاء مدفوعًا بما وصفوه بـ"التقدم الحقيقي" في مسار المحادثات الجارية.
وتتكون مذكرة التفاهم الجاري التفاوض عليها بين مبعوثي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ومسؤولين إيرانيين، من 14 نقطة، وتهدف إلى إعلان إنهاء الحرب وبدء مرحلة انتقالية تمتد 30 يومًا لصياغة اتفاق شامل في إسلام آباد.
وخلال هذه الفترة، يُتوقع أن يجري تخفيف تدريجي للقيود المفروضة على الشحن في مضيق هرمز، بالتوازي مع تقليص الحصار البحري الأمريكي، على أن يُعاد فرض هذه الإجراءات في حال فشل المفاوضات.
البرنامج النووي في قلب الخلاف
وتظل قضية تخصيب اليورانيوم أبرز نقاط الخلاف، إذ تتراوح المقترحات المطروحة بين تعليق يمتد 12 إلى 15 عامًا وفق مصادر لرويترز، مقابل طرح أمريكي أكثر تشددًا يطالب بوقف قد يصل إلى 20 عامًا، في حين اقترحت إيران فترة لا تتجاوز 5 سنوات.
كما تتضمن المفاوضات بندًا حول نظام تفتيش دولي معزز، يتيح عمليات تفتيش مفاجئة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب التزام محتمل بعدم تشغيل منشآت نووية تحت الأرض.
في المقابل، تربط واشنطن أي تخفيف للعقوبات بخطوات إيرانية ملموسة تشمل وقف أنشطة التخصيب، والتخلي عن أجزاء من المخزون عالي التخصيب، وهو ما لا يزال محل خلاف.
وفيما تبدي الإدارة الأمريكية قدرًا من التفاؤل الحذر، قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن صياغة اتفاق "ليست مسألة يوم واحد"، مضيفًا أن الملف "بالغ التعقيد والتقنية"، لكنه في الوقت نفسه شكك في قدرة بعض القيادات الإيرانية على اتخاذ قرار موحد، واصفًا بعضهم بـ"المجانين".
في المقابل، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده لن تقبل إلا "باتفاق عادل وشامل"، مشيرًا إلى أن طهران ستدافع عن "حقوقها ومصالحها المشروعة" في المفاوضات الجارية.
ميدانيًا.. المخاطر قائمة
وعلى الأرض، لا تزال تداعيات الحرب حاضرة بقوة، إذ أدى التصعيد في مضيق هرمز إلى اضطراب نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما تسبب في أزمة طاقة انعكست على الأسواق الدولية، وفق رويترز.
كما شهدت الأسابيع الماضية هجمات متبادلة وحصارًا بحريًا متصاعدًا، قبل أن يعلن ترامب تعليقًا مؤقتًا لبعض الإجراءات العسكرية لتسهيل مسار التفاوض، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار النفط التي شهدت تراجعًا ملحوظًا.
ورغم هذه المؤشرات، لا تزال احتمالات العودة إلى التصعيد قائمة، في ظل هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار الخلافات حول الملف النووي وترتيبات الملاحة في الممرات الحيوية.
وبين تفاؤل أمريكي حذر، وتمسك إيراني بشروط صارمة، يبقى المشهد مفتوحًا على سيناريوهين متناقضين؛ اتفاق تاريخي يطوي صفحة الحرب، أو جولة جديدة من الصراع لا تقل سخونة عن سابقتها.