أصدر النائب العام المستشار محمد شوقي، قرارًا اليوم الاثنين، بإدراج من صدرت بحقهم أحكام جنائية نهائية واجبة النفاذ لامتناعهم عن سداد النفقات، على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول، وهو الإجراء الذي يمنعهم من مغادرة البلاد، ويسمح بالقبض عليهم فور وصولهم من الخارج.
وأوضحت النيابة العامة في بيان أن الهدف الأساسي من القرار هو "صون حقوق المحكوم لهم، ولا سيما ما يتصل بحقوق الزوجات والأبناء" التي كفلها القانون وأحاطها بضمانات لحمايتها. ووجهت تحذيرًا مباشرًا للمحكوم عليهم، مهيبة بهم سرعة سداد المبالغ المقضي بها، ملوحةً باتخاذ إجراءات قانونية أشد صرامة في مواجهتهم.
مَن سيُمنع من السفر؟
غير أن هذا القرار، وفق المحامي الحقوقي بمؤسسة قضايا المرأة عبد الفتاح يحيى الذي تحدثت إليه المنصة، لن يشمل من صدرت بحقهم أحكام حبس للامتناع عن دفع النفقة من محكمة الأسرة، وإنما يتعلق فقط بمن صدرت أحكام الحبس ضدهم عبر المسار الجنائي، وفق تعديلات أُدخلت على قانون العقوبات قبل ست سنوات، استحدثت عقوبة "الحبس الجنائي" على الزوج في حال تكرار امتناعه عن سداد نفقة الأبناء والزوجة.
ويعاقب ذلك التعديل كل من صدر ضده حكم قضائي واجب النفاذ من محكمة الأسرة بدفع النفقة، وامتنع عن الدفع رغم مقدرته لثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع، بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز 5 آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ويرهن ذلك التعديل رفع الدعوى الجنائية بتقدم المجني عليها بشكوى أو طلب، ويترتب على الحكم الصادر بالإدانة تعليق استفادة المحكوم عليه من الخدمات الحكومية، حتى أدائه ما تجمد في ذمته لصالح المحكوم له، أو بنك ناصر الاجتماعي، حسب الأحوال.
ويعد ذلك التعديل هو النص ذاته الذي استند إليه قرار وزارة العدل الشهر الماضي، بتعليق استفادة المحكوم عليهم في جرائم الامتناع عن سداد النفقة من قائمة طويلة من الخدمات الحكومية، يقدمها 11 قطاعًا وزاريًا وهيئة حكومية، من بينها وزارات التموين والتنمية المحلية ومصلحة الشهر العقاري بوزارة العدل.
عقبات وثغرات
يحذر المحامي الحقوقي عبد الفتاح يحيى من "ثغرة إجرائية" قد تحد من تأثير القرار على أرض الواقع.
وشرح يحيى الفارق الدقيق في التطبيق، قائلًا "بموجب ذلك النص لن يطبق المنع من السفر وترقب الوصول الوارد في القرار الأخير للنائب العام إلا على الممتنعين عن سداد النفقة، الصادرة بحقهم أحكام جنائية من محكمة الجنح"، مؤكدًا أنه "لن ينطبق على الصادر بحقهم مجرد أحكام متجمد النفقة المعتادة التي تصدر من محكمة الأسرة والتي تصدر بحبس الزوج لمدة شهر".
ووصف المحامي الحقوقي القرار بأنه "بادرة جيدة وإجراء إداري تحفظي للردع يقع ضمن صلاحيات النائب العام"، لكنه لفت إلى أن أغلب النساء لا يلجأن للقضاء الجنائي في قضايا النفقة، مفضلات رفع "دعوى حبس" أمام محاكم الأسرة، وذلك بسبب ما وصفه بـ "الإجراءات المعقدة لقيد الدعوى الجنائية".
وأضاف "المشكلة أن هذه الإجراءات ليست معلومة للكثيرين، وتطبيق المادة القانونية يفتقر للوضوح، ما جعل الأحكام الجنائية الصادرة في قضايا متجمد النفقة نادرة جدًا حتى بين أوساط المحامين".
وفي توضيح الإجراءات المعقدة بهذه المادة أيضًا، سبق للنشرة القانونية المتخصصة "نشرة أخبار محامون بلا قيود"، التأكيد على أن هذا النص لا يتيح للمتضررة اللجوء للحبس الجنائي مباشرة، بل يجب أولاً استنفاد الإجراءات أمام محاكم الأسرة، بإقامة دعوى الحبس، ليثبت امتناع المحكوم عليه عن الدفع رغم قدرته وبعد إنذاره.
كما يخضع تحريك الدعوى الجنائية لقيد زمني وفق المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية، التي توجب تقديم الشكوى خلال ثلاثة أشهر من علم المجني عليه بالجريمة، مما يؤكد أن فهم المادة يتطلب نظرة شاملة للمنظومة القانونية وتطورها التشريعي، لضمان عدم رفض الدعوى لرفعها قبل الأوان أو بغير الطريق الذي رسمه القانون.
ويسلط يحيى الضوء على تحدٍّ إجرائي آخر يعرقل تفعيل القرار ضد المتهربين المتواجدين بالخارج، المستهدفين بقوائم ترقب الوصول، وهو "أزمة الإعلانات القضائية"، موضحًا أن الحصول على حكم جنائي يستلزم إعلان الشخص به، معقبًا "وهنا فيه صعوبة إجرائية بالغة.. لأننا في كثير من الأحيان نعجز عن إعلان أشخاص متواجدين داخل البلاد، فما بالك باللي في الخارج".
مطالب بتيسير التطبيق
لجعل قرار النائب العام قابلًا للتنفيذ، يطالب يحيى بضرورة "تيسير الإجراءات وإيضاحها بشكل قاطع" للمتقاضين، من أجل إنهاء حالة التخبط الحالية بين القانونيين والمتقاضين ووكلاء النيابة حول آليات التنفيذ وشروط الإعلان بالأحكام.
وحذّر يحيى في الأخير، من تحول النصوص الجيدة إلى حبر على ورق، قائلًا "المشكلة دومًا تكمن في صياغة مادة تشريعية ممتازة نظريًا، لكن عند تطبيقها على الأرض نصطدم بصعوبات إجرائية معقدة تعرقل الوصول للحقوق، وهو السيناريو ذاته الذي نعيشه حاليًا في تطبيق المادة الخاصة بحرمان المرأة من الميراث على سبيل المثال".