قبل ساعات من الاجتماع المرتقب بين وفدي لبنان وإسرائيل في واشنطن، مساء اليوم الثلاثاء، تتضح ملامح لقاء يُوصف بأنه تحضيري أكثر منه تفاوضي، وسط تباين واضح في الأولويات، وانقسام في الداخل اللبناني، واستمرار التصعيد الإسرائيلي.
حسب إندبندنت، يستمر الاجتماع نحو ساعة واحدة، من دون صدور بيان مشترك، بعد رفض لبنان طلبًا إسرائيليًا بهذا الشأن، على أن تَصدر مواقف منفصلة من بيروت وتل أبيب.
يقود الوفد اللبناني سفيرته لدى واشنطن ندى معوض، التي تطرح عنوانًا رئيسيًا يتمحور حول سيادة لبنان مقابل أمن شمال إسرائيل، ويركز لبنان على انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب، مقابل ترتيبات أمنية تضمن وقف الهجمات على شمال إسرائيل.
يدرك الجانب اللبناني، وفق إندبندنت، أن وقفًا شاملًا لإطلاق النار لا يبدو مطروحًا في المرحلة الراهنة، ما يفتح الباب أمام خيارات مرحلية، من بينها العودة إلى تفاهمات سابقة أو التفاوض على صيغة جديدة.
في المقابل، لا يُنظر إلى هذا الاجتماع باعتباره جولة تفاوض كاملة، إذ تشير مصادر لم تسمها إندبندنت إلى أن دوره يقتصر على رسم الإطار العام، على أن يتولى سفير لبنان السابق لدى واشنطن سيمون كرم قيادة المفاوضات الفعلية لاحقًا، مدعومًا بفريق تقني.
تُظهر التحضيرات للاجتماع تباينًا داخل المشهد اللبناني. فحسب مصادر لم تسمها إندبندنت، جرى التنسيق المباشر حول المفاوضات بين الرئيس جوزاف عون والسفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى، في حين لم يكن رئيس الحكومة نواف سلام على علم مسبق بها. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيبدو موافقًا ضمنيًا دون إعلان موقف رسمي.
في المقابل أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في لقاء متلفز أمس الاثنين رفضه القاطع لأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، واصفًا المفاوضات بالعبثية وطالب بإلغائها مشيرًا إلى أنه "لا يحق لأحد أن يأخذ لبنان إلى هذا المسار من دون توافق داخلي لمكوناته".
أولويات متعارضة
يحمل كل طرف إلى طاولة واشنطن أجندة مختلفة في جوهرها. بالنسبة للبنان، تتصدر الأولويات وقف إطلاق النار، ولو بشكل مؤقت، كمدخل لإطلاق مفاوضات أوسع، إلى جانب الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي توسع احتلالها خلال الحرب، ومعالجة النقاط الخلافية في ترسيم الحدود البرية.
أكد نائب رئيس الحكومة طارق متري لقناة LBCI أن الحد الأدنى المطلوب يتمثل في التوصل إلى هدنة تتيح إطلاق المفاوضات، لافتًا إلى أن هذه المباحثات تُعقد عادة في أجواء هادئة، لا في ظل العمليات العسكرية.
بدوره، أعرب جوزاف عون خلال استقباله وزير الخارجية الإيطالية أنطونيو تاجاني أمس الاثنين عن أمله في أن يفضي الاجتماع المرتقب إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، تمهيدًا لبدء مفاوضات مباشرة بين الطرفين.
وفي السياق، أفادت الشرق الأوسط، نقلًا عن مصدر لم تسمه، أن السفيرة ندى معوض تلقت تعليمات من الرئيس عون للمطالبة بوقف إطلاق النار.
في المقابل، تطرح إسرائيل أهدافًا أوسع، تتجاوز الترتيبات الأمنية المباشرة. فقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن بلاده تسعى إلى اتفاق سلام طويل الأمد مع لبنان، بالتوازي مع مطلب أساسي يتمثل في نزع سلاح حزب الله بالكامل.
وتشير إندبندنت إلى أن تل أبيب قد تطرح أربعة مطالب إضافية في مراحل لاحقة، تشمل إقالة قائد الجيش اللبناني، وإقالة وزراء حزب الله، وتجفيف مصادر تمويل الحزب وإقفال مؤسساته، وإصدار مذكرات توقيف بحق قادته. ولم يصدر تعليق رسمي من بيروت على هذه الطروحات.
كذلك، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسودة خطة يجري إعدادها لطرحها خلال مراحل تالية من المفاوضات، تتضمن تقسيم جنوب لبنان إلى ثلاث مناطق أمنية، وفق الجزيرة.
وحسب هذه التسريبات، تطالب إسرائيل بوجود عسكري طويل الأمد في الشريط الحدودي، إلى حين "تفكيك سلاح حزب الله"، على أن يتم انسحاب تدريجي من المناطق الواقعة خلف الخط الأزرق، وصولًا إلى نهر الليطاني، وتسليمها للجيش اللبناني بعد "تطهيرها".
كما نقلت تقارير أخرى أن إسرائيل لا تنوي ربط المفاوضات بوقف العمليات العسكرية، بل تسعى إلى مواصلة الحرب بالتوازي مع المسار التفاوضي، خصوصًا في ما يتعلق بهدف نزع سلاح الحزب.
وقصف في جنوب لبنان
في الوقت الذي تستعد فيه واشنطن لاستضافة الاجتماع، لا تعكس التطورات الميدانية أي تهدئة؛ إذ شهد جنوب لبنان سلسلة غارات إسرائيلية أسفرت عن سقوط قتلى في أكثر من بلدة، بينها عدلون وعربصاليم، فيما استهدفت غارات أخرى مناطق في البقاع، ما أدى إلى سقوط ضحايا من عائلة واحدة، في وقت أعلن جيش الاحتلال مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان.
في المقابل، واصل حزب الله إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، فيما نفذت القوات الإسرائيلية عمليات توغل للسيطرة على مواقع جنوبية، منها مدينة بنت جبيل، أكبر المدن اللبنانية جنوب نهر الليطاني.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "لم نعد نتحدث عن 5 مواقع، إنما عن حزام أمني متين وعميق في جنوب لبنان لإزالة خطر الغزو من جانب (حزب الله) وإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع".
يبدو أن الاجتماع المرتقب لن يكون سوى خطوة أولى في مسار طويل ومعقد، تحكمه فجوة واسعة بين مطالب الطرفين، وانقسام داخلي لبناني، وبينما يطرح لبنان معادلة السيادة مقابل الأمن، تدفع إسرائيل نحو إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في الجنوب، بما يتجاوز حدود وقف إطلاق النار، ليشمل بنية القوة داخل لبنان نفسه.