لم تكد الأسواق تلتقط أنفاسها بعد الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، حتى جاء قرار رفع شرائح استهلاك الكهرباء ليضيف موجة جديدة من الضغوط على تكاليف المعيشة والإنتاج، ويعيد فتح ملف التضخم واحتمالات صعوده مجددًا خلال الأشهر المقبلة.
حسب ثلاثة مصادر تحدثوا لـ المنصة، فإن انعكاسات الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء على حياة المستهلكين "حتمية وإن كانت متفاوتة"، مرجحين أن تمتد آثارها تدريجيًا إلى عدد من السلع والخدمات، في مقدمتها الأجهزة المنزلية والأسمدة وبعض مدخلات البناء.
وكانت وزارة البترول أقرت الشهر الماضي زيادة في أسعار الوقود بمختلف مشتقاته بنحو ثلاثة جنيهات للتر، تزامنًا مع ارتفاعات في أسعار الطاقة عالميًا، قبل أن تتبعها زيادة في تعريفة الكهرباء للشرائح الأعلى استهلاكًا التي تتجاوز 2000 كيلووات شهريًا بمتوسط 16% للقطاع المنزلي، ونحو 20% للأنشطة التجارية، اعتبارًا من الشهر الجاري.
وتقتصر الزيادة في القطاع المنزلي على الشريحة السابعة من الاستهلاك، وهي الأعلى، والتي يصل متوسط فاتورتها الشهرية إلى نحو 4462 جنيهًا.
ضغط متصاعد على الصناعة
تأثيرات زيادة الكهرباء بدأت تظهر بصورة أوضح داخل القطاع الصناعي، خاصة في الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، حيث تتداخل الزيادة مع ارتفاعات سابقة في أسعار الوقود وسعر الصرف وتكاليف التشغيل.
ويقول رئيس شعبة الأجهزة المنزلية والكهربائية باتحاد الصناعات حسن مبروك، إن زيادة الكهرباء للنشاط الصناعي تضيف عبئًا جديدًا على تكلفة الإنتاج، بعد زيادات متتالية في مدخلات أخرى.
ويضيف مبروك لـ المنصة أن "الفترة الماضية شهدت ارتفاع أسعار الوقود، وفرض رسوم على الصاج المستورد المستخدم في التصنيع، إلى جانب تقلبات سعر الدولار وارتفاع تكلفة العمالة، وكلها عوامل تدفع في اتجاه زيادة أسعار الأجهزة المنزلية بنحو قد يصل إلى 20%".
وحسب تقرير لموقع العربية Business، رفعت شركات الأجهزة المنزلية أسعار منتجاتها بنسب تتراوح بين 15 و20% منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/شباط الماضي، وسط توقعات بموجات زيادات إضافية في حال استمرار ضغوط سلاسل الإمداد.
مواد البناء.. تأثير محدود نسبيًا
في المقابل، يرى رئيس شعبة مواد البناء باتحاد الغرف التجارية أحمد الزيني أن تأثير الكهرباء على القطاع محدود نسبيًا، نظرًا لانخفاض نسبتها داخل هيكل التكلفة.
وأوضح الزيني لـ المنصة أن الكهرباء لا تتجاوز 5% من تكلفة إنتاج مواد البناء، ما يجعل أثر الزيادة الأخيرة "لا يتعدى 1% على سعر المنتج النهائي".
وأشار إلى أن حالة الركود في المبيعات، الناتجة عن صعوبة تراخيص البناء وضعف السيولة، قد تدفع الشركات إلى امتصاص أي زيادات طفيفة دون تمريرها إلى المستهلك، مبينًا أن أغلب شركات الحديد والأسمنت تُسعِّر منتجاتها وفقًا لسعر صرف للدولار أعلى من الرسمي، بما يتيح لها هامشًا إضافيًا لمواجهة تقلبات التكلفة.
ويبلغ سعر طن حديد عز نحو 38.6 ألف جنيه، بينما يدور متوسط سعر طن الأسمنت الرمادي حول 4 آلاف جنيه.
الأسمدة.. ضغط مضاعف من الطاقة والأسواق العالمية
أما في قطاع الأسمدة، فيشير رئيس جمعية موزعي الأسمدة ورئيس شركة "إيفرجرو" محمد الخشن إلى أن الكهرباء تمثل عنصرًا مؤثرًا في تكلفة الإنتاج، مع تقديرات بوصول أثر زيادتها إلى نحو 10% على السعر النهائي.
وأضاف الخشن لـ المنصة، أن السوق المحلية تواجه في الوقت نفسه ارتفاعًا حادًا في الأسعار العالمية لليوريا، التي قفزت إلى نحو 800 دولار للطن مقارنة بنحو 400 دولار قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو ما يضاعف الضغوط على الأسعار محليًا.
وأشار إلى أن أسعار الأسمدة شهدت زيادات محدودة مؤخرًا تراوحت بين 2000 و3000 جنيه للطن، لتصل إلى نحو 23 ألف جنيه، مع توقعات بزيادات إضافية قد تصل إلى 30% خلال الفترة المقبلة، حال استمرار ارتفاع الطاقة عالميًا ومحليًا.
التضخم أمام ارتفاع حتمي
على مستوى الاقتصاد الكلي، يرى محللون أن تأثير زيادة الكهرباء لن يظهر بشكل فوري، لكنه سيتسلل تدريجيًا إلى الأسعار عبر سلاسل الإنتاج.
ويقول المحلل الأول بشركة "برايم" للاستثمار مينا رفيق إن الكهرباء تمثل مدخلًا أساسيًا في معظم الأنشطة الاقتصادية، ما يجعل أي زيادة في تكلفتها قابلة للانتقال لاحقًا إلى أسعار السلع والخدمات.
وأضاف رفيق لـ المنصة، أن "الأثر لن يكون مباشرًا بالكامل، لكنه يظهر تدريجيًا مع إعادة تسعير مدخلات الإنتاج"، متوقعًا أن تنعكس هذه الضغوط على قراءات التضخم خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار المقبلين، في نطاق يتراوح بين 15 و17%.
وتتفق رئيسة قسم البحوث بشركة "زيلا كابيتال" آية زهير مع هذا الاتجاه، لكنها تشير إلى أن الأثر سيظهر تدريجيًا خلال الأشهر المقبلة، مع وجود تأخر طبيعي في انتقال زيادات الطاقة إلى الأسعار النهائية.
وتتوقع آية زهير أن تسجل قراءة التضخم لشهر مارس/آذار المعلنة في أبريل مستويات بين 16% و16.5%، مدفوعة بزيادة أسعار الوقود، على أن يظهر تأثير الكهرباء بشكل أوضح في قراءات أبريل ومايو، مع احتمالات لملامسة 17% في حال استمرار الضغوط الحالية.