صفحة مستشفي هليوبوليس التخصصي على فيسبوك
مستشفي هليوبوليس التخصصي، أرشيفية

"الدفع قبل الدفن".. مستشفى خاص يرهن جثمان متوفى بسداد فاتورة بأكثر من مليون جنيه

محمد نابليون يوسف عقيل جاسر الضبع
منشور الاثنين 6 نيسان/أبريل 2026

احتجز مستشفى خاص بالتجمع جثة مريض كان يعالج به قبل وفاته، مطالبًا أسرته دفع فاتورة بقيمة تتجاوز المليون جنيه نظير إقامته لمدة 26 يومًا في الرعاية المركزة، وفق ما كشفته النائبة في مجلس الشيوخ أميرة صابر، فيما أكد المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار لـ المنصة عدم جواز احتجاز الجثمان، لافتًا في الوقت ذاته عدم وجود سند قانوني يمنح الوزارة الحق في تسعير الخدمات الطبية الخاصة.

وفي بوست على حسابها بفيسبوك، أعربت أميرة صابر أمس السبت عن غضبها الشديد جراء ما وصفته بـ"مناهدة وتليفونات وخناقات طول اليوم عشان المستشفى ترضى إن جثمانه يتدفن لوجود جزء من المبلغ متدفعش"، معبرة عن "صدمتها البالغة" من أرقام الفاتورة الطبية التي طلبتها من المستشفى، مؤكدة أن "الأسعار دي للخدمة الطبية المقدمة مش منطقية أبدًا".

إلا عندنا 

ومن جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار لـ المنصة إن احتجاز الجثامين حتى دفع الفواتير "متبع في كل دول العالم"، على حد قوله، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه محليًا هناك قرارات منظمة تمنع هذا الإجراء.

وأوضح أن "هذا الأمر تمنعه قرارات وزارة الصحة، وقوانين وآداب ممارسة المهنة، وكل ما يتعلق بها على المستوى الإقليمي والدولي والمحلي"، لافتًا إلى اتباع آليات أخرى للتعامل المالي تحفظ حق المواطن وتضمن في الوقت ذاته حق مقدم الخدمة الطبية.

ومن جهته، قال المحامي هاني سامح لـ المنصة إنه لا يجوز قانونًا احتجاز المرضى أو جثثهم بسبب فواتير دوائية أو خدمات طبية، موضحًا أن هذه الممارسات تتكرر أحيانًا نتيجة عدم علم ذوي المرضى أو المتوفين بحقوقهم القانونية.

سامح الذي سبق له الدخول في نزاع قانوني وكيلًا عن أسرة أحد المرضى في مواجهة مستشفى خاص بسبب واقعة مماثلة، قال إن تقديم بلاغ بسيط للشرطة أو النيابة يكفي لاستلام الجثمان ومحاسبة المسؤولين عن الفعل، مؤكدًا أن وزارة الصحة يحق لها إصدار قرار بالإغلاق الإداري الفوري للمستشفى المخالف.

وحول تلك الواقعة قال سامح "في قضية سابقة طالبت إدارة إحدى المستشفيات الخاصة ذوي أحد المتوفين بمبلغ يقارب 3 ملايين جنيه، قبل اتخاذ إجراءات قضائية لوقف هذه المطالبات".

39 ألف جنيه يوميًا

ووفقًا لفاتورة المستشفى التي نشرتها أميرة صابر دون أن تذكر اسمه، أقام المريض في الرعاية المركزة بالمستشفى لـ26 يومًا، من 9 مارس/آذار الماضي حتى أمس السبت، وتصدر بند "الأدوية" بمبلغ يتجاوز 286 ألف جنيه، أي بمعدل إنفاق يتخطى 11 ألف جنيه يوميًا على الأدوية وحدها. 

صورة من فاتورة الخدمات الطبية المقدمة للمتوفى، 4 أبريل 2026

وبلغت تكلفة "المعمل وبنك الدم" مجتمعين قرابة 219 ألف جنيه، بينما سجل بند "المستلزمات الطبية" نحو 106 آلاف جنيه، في حين بلغت تكلفة سرير "الرعاية المركزة" 100 ألف جنيه. 

وبذلك يصل متوسط تكلفة اليوم الواحد داخل المستشفى نحو 39 ألف جنيه، وهو المبلغ الذي يفسر مطالبات عضوة مجلس الشيوخ بضرورة تدخل وزارة الصحة لوضع "سقف منطقي" يوقف هذا النزيف المالي.

وقالت "مفيش أي عدالة إن ناس تبقى بتعمل ثروات طائلة على حساب ألم ووجع وديون من غير آلية للحوكمة و المحاسبة مش لازم يبقى موت وخراب ديار! ما تكسبوا يا جماعة، لازم تكسبوا بس بالعقل".

وانتقدت أميرة صابر "الغياب الكبير" لرقابة وزارة الصحة على الخدمات الطبية المقدمة في المستشفيات الخاصة "وضع خاطئ لازم يتغير"، مقترحة وضع "هامش ربح منطقي" لأسعار الخدمات الطبية وسقف لكل خدمة.

نحقق ولكن

من جانبه، قال المتحدث باسم الصحة إن الوزارة تتحقق حاليًا من "تفاصيل الواقعة"، وأنها ستتخذ إجراءاتها بناءً على ما ستسفر عنه تلك التحقيقات. 

وتعليقًا على مقترحات النائبة، أكد عبد الغفار عدم وجود سند قانوني يتيح للوزارة وضع تسعيرة جبرية لخدمات المستشفيات الخاصة للحد من المبالغة في الفواتير، متسائلًا "هل هناك قانون يبيح للوزارة تسعير الخدمات الطبية الخاصة؟ إذا كان هناك قانون يبيح التسعير فإننا نُسعّر، لكن ما أعلمه أن المُسعّر بالقانون في مصر هو العيش والدواء فقط".

ولا يعتبر عبد الغفار عدم وجود تسعيرة للخدمات الخاصة يمثل أزمة أو غياب تشريعي يحتاج للتدخل، موضحًا أنه لا توجد دولة في العالم تمتلك قانونًا يُسعّر الخدمات الطبية الخاصة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن إدارة "العلاج الحر" بوزارة الصحة تقوم بدورها الرقابي على المستشفيات الخاصة بشكل منتظم.

فيما قال المحامي هاني سامح أن المادة 12 من قانون تنظيم المنشآت الطبية تنص على أن "تشكل بقرار من وزير الدولة للصحة لجنة تمثل فيها نقابة الأطباء ووزارة الصحة وممثل لأصحاب المنشآت الطبية. وتختص اللجنة المنصوص عليها في الفقرة السابقة بتحديد أجور الإقامة والخدمات التي تقدمها المنشأة، ويصدر بهذا التحديد قرار من المحافظ المختص، على أن يؤخذ في الاعتبار عناصر التكلفة التي تمت الموافقة عليها عند الترخيص".

جريمة مكتملة الأركان

في المقابل يرى مسؤول الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية الدكتور علاء غنام، أنه لا يصح أن تترك وزارة الصحة المرضى تحت رحمة القطاع الخاص ليتحكم في مصيرهم كما يشاء، مشددًا على ضرورة وضع تسعيرة ملزمة على جميع مستشفيات القطاع الخاص.

ووصف غنّام، في تصريحات لـ المنصة، ما حدث في الواقعة التي دونت عنها النائبة أميرة صابر بـ"الجريمة مكتملة الأركان"، مؤكدًا أن إدارة المستشفى خالفت القانون والدستور، محملًا وزارة الصحة مسؤولية ما يجري.

وطالب غنّام بضرورة أن تتحمل الحكومة، ممثلة في وزارة الصحة، جزءًا من تكلفة علاج المرضى، متسائلًا "أين ذهب العلاج على نفقة الدولة؟"، وواصل انتقاده قائلًا "مين قادر يدفع مليون جنيه؟"، لافتًا إلى أن كبار السن من أصحاب المعاشات هم الأكثر تضررًا، خاصة أن كثيرين منهم لا يتجاوز دخلهم خمسة آلاف جنيه، متسائلًا "يعملوا بيهم إيه دول؟".

وفي السياق ذاته، أكدت أميرة صابر رفضها لنظام "التسعير المرن" في القطاع الطبي الخاص، مؤكدة أنه "مفيش في الدنيا منطق لتسعير مرن للدرجة دي من غير سقف ومن غير guideline ومحاسبة.. مفيش أي عدالة إن ناس تبقى بتعمل ثروات طائلة على حساب ألم ووجع وديون من غير آلية للحوكمة والمحاسبة.. مش لازم يبقى موت وخراب ديار".

وطالبت زملائها في مجلس النواب بضرورة التحرك لمساءلة وزارة الصحة، مشيرة إلى أنها سبق وقدمت طلب إحاطة في نفس الموضوع ولم يُناقش، مناشدة البرلمان بقولها "بتمنى من الزملاء المهتمين يتكلموا فيه ويحاسبوا الوزارة عليه ويبقى فيه حل حقيقي لنزيف الفلوس والإرهاق النفسي في أصعب الأوقات اللي بيمر بيها المريض وأهله".