يتحول الطلب المتزايد بسرعة على الصواريخ الاعتراضية إلى قيد حاسم في الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ما يثير تساؤلات في واشنطن حول قدرة الجيش على الحفاظ على وتيرة عمليات الإطلاق الدفاعية المطلوبة إذا تحولت المواجهة إلى حرب صاروخية طويلة الأمد.
وفي تصريحات للمتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني محمد نائيني، أكد قدرة بلاده على مواصلة حرب ضارية لمدة ستة أشهر، فيما يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده تمتلك القدرة العسكرية على مواصلة الصراع "لفترة أطول بكثير إذا لزم الأمر".
وبين التهديد الأمريكي بمواصلة الحرب والتأكيد الإيراني على المقاومة والرد، يرى محللون استمرار الحرب بالوتيرة الحالية قد يُحول المنافسة إلى اختبار لقدرات الإنتاج الصناعي بقدر ما هو اختبار للقوة العسكرية، إذ تُستخدم صواريخ اعتراضية باهظة الثمن لتدمير طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية إيرانية أقل تكلفة بكثير.
وتعمل أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المتقدمة في مختلف أنحاء المنطقة لاعتراض الصواريخ والمسيّرات المعادية، غير أن كل عملية تكلف ملايين الدولارات وتستهلك من ترسانة محدودة تُعد أيضًا أساس التزامات الدفاع الصاروخي الأمريكية في مناطق أخرى، بما في ذلك أوكرانيا وشرق آسيا.
تكلفة الصواريخ الاعتراضية
ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، ردت طهران بموجات من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي تستهدف مواقع أمريكية في المنطقة، وترد السفن الحربية الأمريكية وبطاريات باتريوت ونظام الدفاع الجوي للارتفاعات العالية الطرفية (THAAD) خلال ثوانٍ، مطلقة صواريخ اعتراضية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات لتدمير التهديدات القادمة.
وتشغل الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون نظام دفاع جوي متكاملًا متعدد الطبقات يعتمد على عدة أنواع من الصواريخ الاعتراضية، ويُعد نظاما THAAD وباتريوت الأكثر طلبًا في المنطقة حاليًا.
وصُمم نظام THAAD لتدمير الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى المعززة سواء داخل الغلاف الجوي أو خارجه، فما يبلغ سعر الصاروخ الاعتراضي الواحد منه نحو 13 مليون دولار.
وخلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية العام الماضي واستمرت 12 يومًا، استخدمت الولايات المتحدة نحو 25% من مخزونها من صواريخ THAAD في الدفاع ضد هجمات إيرانية.
أما نظام الدفاع الجوي باتريوت، الذي طورته شركتا رايثيون ولوكهيد مارتن، فيوفر الحماية ضد الطائرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية التكتيكية، وتصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد منه إلى نحو 5 ملايين دولار.
تتناقض هذه الأرقام بشكل واضح مع القدرات الهجومية لطهران التي تعد أقل تكلفة بكثير. إذ تبلغ تكلفة الطائرة المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" نحو 50 ألف دولار للواحدة، بينما تتراوح تكلفة الصواريخ الباليستية الإيرانية بين مليون ومليوني دولار، وفقًا لمجلة ذا أتلانتيك.
هل تستطيع صناعة الدفاع الأمريكية مواكبة الطلب؟
تتحرك الولايات المتحدة لزيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية بشكل كبير مع ارتفاع الطلب عبر عدة مناطق صراع، والتقى كبار المتعاقدين الدفاعيين بترامب مؤخرًا لمناقشة مخزونات الصواريخ والقدرة الإنتاجية.
قال ترامب في بوست على تروث سوشيال إن الشركات وافقت على زيادة الإنتاج بشكل كبير بعد مناقشات حول "الإنتاج وجداول الإنتاج"، مضيفًا بأن المصنعين سيعملون على "مضاعفة إنتاج" ما وصفه بـ"الأسلحة من الفئة المتقدمة" أربع مرات للوصول إلى مستويات أعلى من المخزون في أسرع وقت ممكن.
وفي يناير/كانون الثاني، أبرمت واشنطن اتفاقًا لمدة سبع سنوات مع شركة لوكهيد مارتن لزيادة القدرة الإنتاجية للصواريخ الاعتراضية من طراز باتريوت من 600 صاروخ سنويًا إلى نحو 2000 صاروخ، وذلك في إطار مساعي البنتاغون لإعادة ملء المخزونات التي استنزفتها عمليات الدفاع الصاروخي في أوكرانيا والشرق الأوسط.
مع ذلك، أفاد تقرير لصحيفة الجارديان بأن المخزونات الحالية ما تزال أقل بكثير من الأهداف التي وضعها البنتاجون.
وبدأت تظهر مخاوف بشأن نقص محتمل لدى حلفاء الولايات المتحدة الذين يعتمدون على أنظمة الدفاع الصاروخي نفسها، إذ أصبح في أوكرانيا، نقص صواريخ باتريوت الاعتراضية قضية حاسمة مع إطلاق روسيا موجات متكررة من الهجمات الصاروخية الباليستية خلال الأشهر الأخيرة. وعرض الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة أوكرانيا وتقنيات الطائرات المسيّرة الاعتراضية مقابل الحصول على صواريخ باتريوت إضافية يحتاجها بشدة من حلفاء الخليج.
كذلك حذر مسؤولون أوروبيون، بشكل غير علني، من قيود متزايدة في الإمدادات. ووفقًا لبلومبرج، أثارت عدة حكومات مخاوف بشأن نقص الصواريخ الاعتراضية خلال اجتماع مغلق الأسبوع الماضي.
ويتزايد الطلب أيضًا في آسيا، حيث تؤدي المنافسة الأمنية المتصاعدة مع الصين وكوريا الشمالية إلى مزيد من الضغط على مخزونات الدفاع الصاروخي، إذ أكد وزير خارجية كوريا الجنوبية تشو هيون أن سيول تجري محادثات مع واشنطن بشأن الحصول على أنظمة أسلحة إضافية، بما في ذلك بطاريات الدفاع الجوي باتريوت.
ورفض وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث المخاوف بشأن احتمال حدوث نقص خلال مؤتمر صحفي الخميس في مقر القيادة المركزية الأمريكية بمدينة تامبا بولاية فلوريدا.
وقال "إيران تأمل أننا لن نتمكن من الاستمرار في هذا، وهو تقدير خاطئ للغاية من جانب الحرس الثوري الإيراني. مخزوناتنا من الأسلحة الدفاعية والهجومية تسمح لنا بمواصلة هذه الحملة طالما احتجنا إلى ذلك".
وصف الباحث في برنامج الدفاع والأمن عبر الأطلسي في مركز تحليل السياسات الأوروبية فابيان هوفمان في مقال خلال الشهر الحالي هذا الوضع بأنه "سباق نحو استنزاف مخزونات الذخائر الجوية".
وقال هوفمان "تسعى إيران إلى استنزاف ترسانات الدفاع الصاروخي في المنطقة مع إلحاق أضرار بأهداف استراتيجية وبارزة. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تحديد مواقع منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية المتحركة وتدميرها قبل أن تطلق صواريخها، إلى جانب إضعاف قدرات القيادة والسيطرة وإنتاج الصواريخ".
الخليج يبحث عن بديل
ووسط هذه الحرب وجدت الدول الخليجية التي أنفقت لعقود مليارات الدولارات على منظومات الدفاع الجوي الأمريكي، نفسها أمام واقع جديد بعدما استهدفت إيران المصالح الأمريكية بها بمئات الصواريخ والمسيرات.
وبدأت السعودية ودول خليجية أخرى البحث عن بدائل أقل كلفة، متجهةً نحو التكنولوجيا الأوكرانية التي طوّرت خلال الحرب مع روسيا وسائل اعتراض للطائرات المسيّرة الإيرانية نفسها.
وتشمل هذه الوسائل مسيّرات اعتراضية منخفضة الكلفة وأنظمة حرب إلكترونية صُممت للتعامل مع هجمات كثيفة ومنخفضة الكلفة.
وأرسلت كييف بالفعل خبراء في الدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات إلى السعودية وقطر والإمارات للمساعدة في تطوير قدرات الدفاع ضد هذا النوع من التهديدات.
ويمكن تتبّع هذا التحوّل في التعاون العسكري بين كييف ودول الخليج من خلال سلسلة من التطورات المتسارعة خلال أيام قليلة فقط.
وأجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتصالًا هاتفيًا مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في 7 آذار/مارس 2026، في خطوة مهّدت لتوسيع التعاون الدفاعي بين الجانبين. وبعد ذلك مباشرة، في 8 و9 مارس، أعلنت كييف إرسال فرق من الخبراء العسكريين والمتخصصين في الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة إلى السعودية وعدد من دول الخليج، على أن يبدأ انتشارهم ميدانيًا بين 11 و15 مارس.
وبالتوازي مع ذلك، جرى توقيع عقد شراء صواريخ اعتراضية أوكرانية نحو 9 مارس، في حين يُتوقع استكمال الاتفاق الأشمل للتعاون العسكري والتقني بين الطرفين خلال الفترة ما بين 11 و14 مارس، وذلك في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية واتساع نطاق المواجهة العسكرية في الخليج.
وتبلغ تكلفة المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية نحو 1000 إلى 2000 دولار فقط للوحدة الواحدة، ما يسمح بإنشاء طبقة دفاعية كثيفة قادرة على مواجهة أسراب كبيرة من المسيّرات من دون استنزاف مخزون الصواريخ الغربية الباهظة.