كشف تحقيق مشترك لمجلة "+972" وصحيفة "الجارديان" عن عملية سرية تنفذها السلطات الأمريكية لترحيل فلسطينيين معتقلين لدى إدارة الهجرة والجمارك "ICE" إلى الضفة الغربية المحتلة عبر طائرات خاصة، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، في خطوة وصفها حقوقيون بأنها "انتهاك صارخ" للقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية.
وأفاد التحقيق بتسيير أمريكا رحلتين منذ بداية العام الجاري؛ نقلت الأولى 8 فلسطينيين من مركز احتجاز في أريزونا إلى مطار بن جوريون في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، حيث ظلوا مكبلي الأيدي والأرجل طوال الرحلة إلى أن وصلوا تل أبيب صباح اليوم التالي، ونُقلوا إلى سيارة برفقة ضابط شرطة إسرائيلي مُسلح إلى نقطة تفتيش عسكرية خارج بلدة نعلين بالضفة الغربية وهم يرتدون بدلات الاحتجاز الرمادية.
وأظهر التحقيق عبر بيانات تتبع الرحلات أن الطائرة المستخدمة مملوكة لقطب العقارات الإسرائيلي الأمريكي مايكل ديزر، وهو شريك تجاري قديم وصديق مقرب للرئيس دونالد ترامب.
وحسب التقرير المنشور الخميس الماضي، قدرت مصادر في قطاع الطيران لم تسمها الصحيفة، تكلفة الرحلة الواحدة بنحو 500 ألف دولار، فيما امتنع ديزر عن التعليق على الغرض من الرحلة، مؤكدًا أن شركة "جيرني أفييشن" هي التي تدير تأجير الطائرة للوكالات الفيدرالية.
وحسب المصادر، فإن الرجال الثمانية الذين تم ترحيلهم على متن الرحلة الأولى، والتي نشرت تفاصيلها صحيفة هآرتس الإسرائيلية، من سكان مدن وبلدات الضفة الغربية، بما فيها بيت لحم والخليل وسلواد ورامون وبئر نبالة والرام، وبعضهم يحمل بطاقات إقامة دائمة جرين كارد، ولدى العديد منهم زوجات وأطفال وأفراد عائلة مقربين آخرين في الولايات المتحدة، واحتُجز بعضهم في مراكز احتجاز تابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية لأسابيع، بينما احتُجز أحدهم على الأقل لأكثر من عام.
وبحسب هآرتس، فإن عمليات الترحيل جاءت بناءً على "طلب غير عادي" من واشنطن، وحصلت على موافقة جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك".
ونقل التحقيق شهادات لبعض المرحلين، من بينهم ماهر عوض، 24 عامًا وكان على متن أول رحلة، أنه عاش في ولاية ميشيجان لعقد من الزمن وترك خلفه شريكة أمريكية وطفلاً رضيعاً لم يره قط.
وأضاف عوض، الذي سُلم للسلطات الإسرائيلية دون جواز سفره أو هاتفه، "كل ما عرفته كان في الولايات المتحدة.. أجبروني على الرحيل وهو أمر مخيف".
وقال "في فبراير (شباط) 2025، اتصلت بالشرطة للإبلاغ عن عملية سطو، لكنهم عند وصولهم، اعتقلوني بسبب تهمة عنف منزلي تعود لعام 2024 أُسقطت قضيتها"، وتابع "احتُجزت لمدة يومين في السجن المحلي؛ وعندما خرجت، ألقت إدارة الهجرة والجمارك القبض علي، ومنذ ذلك الحين تنقلت بين مراكز احتجاز مختلفة قبل أن أُنقل على متن رحلة جوية إلى إسرائيل".
كان سمير زيدان، 47 عامًا، وهو أب لخمسة أطفال يحملون الجنسية الأمريكية، على نفس الرحلة. وقال عمه خالد، إن سمير كان يعيش مع زوجته وهي فلسطينية من الضفة الغربية وتحمل الجنسية الأمريكية منذ عقدين من الزمن.
وأشار إلى أن نجل شقيقه أُجبر على توقيع وثائق ترحيل تحت الضغط بعد احتجاز دام عامًا ونصف في مراكز إدارة الهجرة، نُقل خلالها بين عدة مراكز احتجاز.
وتأتي هذه الترحيلات في وقتٍ كثّفت فيه إدارة ترامب جهودها لترحيل أعداد كبيرة من أكثر من 10 ملايين مهاجر غير شرعي يعيشون في الولايات المتحدة، منذ بداية ولايته الثانية في 20 يناير/كانون الثاني 2024.
ويوم تنصيبه، تعهد ترامب بوقف ما سمّاه "غزو الحدود والمهاجرين غير الشرعيين إلى أمريكا"، معتبرًا أنهم سبب في ارتفاع نسبة الجرائم في الولايات المتحدة، ولاحقًا منح إدارة الهجرة صلاحيات واسعة لتنفيذ أوامر الاعتقال والترحيل في أي مكان بما في ذلك المناطق الحساسة كالمدارس والكنائس.
وبحسب منظمة "هيومن رايتس فيرست" التي تتعقب رحلات الترحيل، قامت طائرة ديزر بأربع رحلات "ترحيل" أخرى منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى كينيا وليبيريا وغينيا وإسواتيني.
"استُخدمت هذه الطائرة الخاصة المستأجرة مرارًا وتكرارًا لرحلات إدارة الهجرة"، حسب سافي أرفي مديرة قسم الأبحاث والتحليلات في مؤسسة حقوق الإنسان المعنية بحقوق اللاجئين والمهاجرين.
وأضافت "إنها جزء من نظام غامض للطائرات الخاصة يُسهّل حملة الترحيل الجماعي التي تنتهجها هذه الإدارة، والتي تجاهلت بشكل صارخ الإجراءات القانونية الواجبة، وفرّقت بين العائلات، وعملت دون أي مساءلة".
في السياق، أعرب محامو هجرة وخبراء حقوقيون عن صدمتهم من هذه الإجراءات؛ حيث أوضحت جيسو نيا، مديرة مشروع التقاضي الاستراتيجي في المجلس الأطلسي، أن ترحيل الفلسطينيين إلى منطقة يواجهون فيها خطر الاضطهاد ينتهك اتفاقية مناهضة التعذيب.
وأضافت أن دور إسرائيل في النقل، وتسهيل دول مثل أيرلندا وبلغاريا لمرور الطائرة يثير تساؤلات حول المسؤولية الدولية.
وفيما امتنع المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن التعليق، اكتفى مسؤول في وزارة الأمن الداخلي بالقول "إذا وجد القاضي أن المهاجر ليس له حق البقاء، فسنقوم بترحيله. انتهى الأمر"، في إشارة إلى توجه إدارة ترامب لتنفيذ وعود الترحيل الجماعي بغض النظر عن العقبات القانونية أو الدبلوماسية السابقة.