شهدت نيابة النزهة بمحكمة مصر الجديدة، أمس، اشتباكات بين ثلاثة محامين من جهة، ووكلاء نيابة عامة وحرس تابعين لهم من جهة أخرى؛ احتشد على أثرها عدد من المحامين بمقر النيابة مطالبين بندب قاضي مستقل للتحقيق في الواقعة، ومتهمين مدير النيابة بسب زملائهم والتعدي عليهم بالضرب.
بدورها فتحت النيابة العامة، تحقيقات في الواقعة، بدأتها في نيابة النزهة، ثم جرى نقلها في وقت لاحق من مساء أمس، إلى نيابة استئناف القاهرة بمكتب النائب العام بالرحاب، وهو ما صاحبه أيضًا انتقال لحشود المحامين أمام النائب العام للتضامن مع زملائهم ومتابعة التحقيقات المستمرة لأكثر من 18 ساعة وحتى كتابة الخبر.
سباب واشتباكات
واستمعت النيابة العامة لأقوال خمسة محامين شهود على الواقعة وطلبت تفريغ كاميرات المراقبة، عوضًا عن سماعها أقوال المحامين أطراف الواقعة مرة كمتهمين ومرة أخرى كمجني عليهم، وقررت إخلاء سبيل واحد لم يثبت في حقه أي اتهام، حسبما قال أمين عام نقابة المحامين محمود الداخلي لـ المنصة.
وكشف الداخلي تفاصيل الأزمة من واقع ما تضمنته التحقيقات، التي حضرها بتكليف من نقيب المحامين، وعلى النحو الذي وثقته كاميرات المراقبة، مؤكدًا أنها بدأت بتعنت من حرس النيابة وتطورت إلى اعتداء جسدي ولفظي من قِبل وكيل نيابة ضد محامين، مشددًا على أن مكتب النائب العام اطلع على فيديوهات تُثبت صحة هذه الرواية.
وأوضح الداخلي أن الواقعة بدأت لدى توجه أحد المحامين لتقديم طلب لمدير النيابة، فاستوقفه الحرس بطريقة غير لائقة، وقال له "بعد ما أخلص سجارتي أبقى أدخلك لوكيل النيابة"، مضيفًا أنه حين دخل المحامي لمدير النيابة ليشكو تعامل الحرس، فوجئ برد فعل سلبي، حيث قال له وكيل النيابة "إنت ضيعت حقك عشان بتعلي صوتك بره"، وهو ما أدى لمشادة كلامية قرر على أثرها المحامي تصعيد الشكوى لرئيس النيابة.
وحسب رواية الأمين العام، فإن مدير النيابة فقد السيطرة على أعصابه وبدأ في توجيه سباب نابٍ للمحامين وأمر الحرس بإفراغ الطرقة أمام مكتبه منهم بصورة مهينة لهم.
وأكد الداخلي أن الأمر لم يتوقف عند السباب اللفظي، بل امتد للاعتداء الجسدي، قائلاً "الاعتداء حصل من حراس ووكلاء النيابة على المحامين ووثقت إصابات بهم"، كاشفًا عن واقعة رصدتها الكاميرات لوكيل نيابة حاول الاعتداء على محامي "في إصابة لوكيل نيابة جه يضرب واحد بالبونية فإيده خبطت في الحيطة.. وطالعة في الفيديو".
لكن الداخلي لم ينكر أن المحامين في الواقعة بدرت منهم تجاوزات أيضًا، موضحًا أنه ما كان يجب الاشتباك مع وكلاء النيابة والحرس، وكان عليهم الإصرار على أخذ الحق بالصور القانونية، مؤكدًا أن الأمر سيكون محل نظر من النقابة، كما أنه من المفترض أن يكون سلوك وكلاء النيابة المتورطين في الواقعة محل نظر من التفتيش القضائي.
بيان تهدئة
وصباح اليوم، استبقت نقابة المحامين نتائج التحقيقات بإصدار بيان أشادت فيه بمباشرة نيابة استئناف القاهرة التحقيقات في الواقعة بـ"حياد تام ونزاهة"، مؤكدة أن أقوال الشهود من المحامين أنفسهم وتفريغ كاميرات المراقبة بمحل الواقعة أسفر عن رصد "تجاوزات" (لم يحدد البيان طبيعتها أو أطرافها بدقة)، لكنه لمح لنسبة هذه التجاوزات إلى المحامين بالتأكيد على أنها ستكون محل نظر النقابة العامة للمحامين، في إشارة إلى أن النقابة ستفتح تحقيقًا معهم وربما تتخذ ضدهم إجراءات تأديبية.
وأمام حالة من الغضب، أثارها ذلك البيان في أوساط المحامين الذين اعتبروه يدين زملاءهم، قال مصدر رفيع بمجلس نقابة المحامين إن النقابة استندت في إصداره لأقوال أعضاء مجلسها ممن حضروا التحقيقات، لافتًا إلى أن تفريغ كاميرات المراقبة داخل سراي النيابة وثق وقوع "اشتباكات وتجاوزات متبادلة"، واصفًا ما جرى بأنه "أخطاء فردية" تسعى النقابة لاحتوائها بعيدًا عن الصدام المؤسسي مع جهات التحقيق.
ورفض المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، توصيف البيان بأنه يلمح لخطأ المحامين، معتبرًا أن الأزمة في جوهرها "اشتباك" استوجب تدخل النقابة لتطبيق مبدأ "الانضباط المؤسسي" بدلاً من الانجرار وراء نظرية "الفعل ورد الفعل".
ولم ينكر المصدر أن صياغة البيان بهذه اللهجة، تأتي ضمن اتفاق مع النيابة العامة على حل الأزمة، كاشفًا عن وجود تنسيق مستمر وعلى أعلى مستوى بين نقيب المحامين ومكتب النائب العام ونيابة الاستئناف منذ اللحظة الأولى للأزمة.
وأكد أن الهدف الحالي هو الوصول إلى "حل جذري" ينهي الأزمة دون خسائر لأي من الطرفين، مشددًا على أن دور النقابة هو "المساعدة في الحل" وليس إشعال الحرائق أو لعب دور "عنترة بن شداد" على حساب مصلحة الزملاء الشباب "المتورطين في الواقعة".
أغراض انتخابية
وأرجع المصدر حالة التوتر الراهنة وحشد المحامين سواء في نيابة النزهة أو أمام مكتب النائب العام إلى تدخل "أطراف مغرضة" لم يسمها، قال إنها "تسعى لتأجيج الصراع بين المحامين والنيابة العامة، مستغلة أجواء الانتخابات النقابية لتهييج الرأي العام".
وتنطلق السبت، المقبل، انتخابات المرحلة الثانية في 18 نقابة فرعية للمحامين من بينهم نقابة شمال القاهرة التابع لها محامي نيابة النزهة.
ولم يستبعد الداخلي، هو الآخر، تأجيج بعض المرشحين في الانتخابات النقابية الأزمة لتحقيق أهداف انتخابية، مؤكدًا أنه كان توصل لاتفاق لحل الأزمة مع النائب العام المساعد، لكن بعض الأطراف سعت للحشد و"التسخين" من أجل "حب الظهور وإنه يبان قائد" وهو ما أدى لتعقيد المشهد.
وفي السياق، قال المصدر إن النقابة ستصدر خلال الساعات القادمة بيانًا تفصيليًا يشرح كافة أبعاد الموضوع وما انتهت إليه التحقيقات الرسمية.
وتتكرر بين الحين والآخر، وقائع الخلاف والأزمات بين المحامين من جهة والقضاة ووكلاء النيابة وحرس النيابات من جهة أخرى، وكانت آخرها في مايو/أيار الماضي، حين دخل أعضاء من مجلس النقابة الفرعية للمحامين بحلوان، في اعتصام بمقر المحكمة اعتراضًا على تعرض محامية للاعتداء من قبل أحد أفراد حراسة النيابات، وهي الأزمة التي انتهت وقتها بوقف فرد الأمن عن العمل.
وقبل عامين، أعلنت النقابة العامة للمحامين، تعليق عمل أعضائها أمام محاكم الجنايات وتحقيقات النيابة العامة في كافة أنحاء الجمهورية، اعتراضًا على حكم أصدرته محكمة مرسى مطروح بحبس 6 محامين سنتين مع الشغل، لإدانتهم بالتعدي على ثلاثة من موظفي المحكمة.