تشهد أزمة الضربات الأمريكية على فنزويلا وما تلاها من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، السبت الماضي، تطورات متسارعة ومتداخلة؛ وسط تأكيد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انخراط الولايات المتحدة في "عمليات إصلاح" في فنزويلا لمدة 18 شهرًا، وانقسام الكونجرس حول شرعية ما أقدم عليه ترامب.
وبالتزامن مع بدء محاكمة مادورو وزوجته في الولايات المتحدة مؤكدًا رفضه التهم الموجهة إليه ومعتبرًا ما جرى اختطافًا وانتهاكًا لسيادة بلاده، يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا رماديًا يتجنب فيه دعم العملية الأمريكية أو إدانتها صراحة.
والسبت الماضي، نفّذ ترامب ضربات "واسعة النطاق" في فنزويلا، واختطف رئيسها وزوجته، قبل أن يخضعهما لمحاكمة في الولايات المتحدة أمس، بداعي "التورط في تهريب المخدرات ما تسبب في مقتل آلاف الأمريكيين".
18 شهرًا من "النفط الفنزويلي"
وخلال تصريحات لشبكة NBC News الأمريكية مساء أمس الاثنين، استبعد ترامب إجراء انتخابات في فنزويلا خلال الثلاثين يومًا المقبلة، مؤكدًا انخراط الولايات المتحدة في "عمليات إصلاح لإعادة بناء البنية التحتية للطاقة في فنزويلا" قال إنه سيقودها بنفسه وستستغرق 18 شهرًا.
لا أحد يجزم إن كانت نية ترامب الحقيقية إصلاح البنية التحتية للطاقة في البلاد فعلًا، أم أن تلك الفترة ستشهد نهبًا لثروات فنزويلا التي تنتج نحو مليون برميل نفط يوميًا، وتملك أكبر احتياطات نفطية في العالم، لكنها تواجه منذ عام 2019 حظرًا يدفعها لبيع نفطها بأسعار مخفضة في السوق السوداء ولدول آسيوية أهمها الصين.
ففي تحليل لنيويورك تايمز، وثقت الصحيفة أثناء احتفال ترامب باختطاف مادورو، أنه ذكر "نفط فنزويلا" 20 مرة، مؤكدة أن الهجوم على فنزويلا أظهر بشكل واضح هدف ترامب في السيطرة على الأمريكتين.
ويرى ترامب أن فنزويلا ليست مؤهلة في الوقت الحالي لإجراء الانتخابات "علينا إصلاح البلاد أولًا"، زاعمًا أن "هذه الجهود ستتطلب أموالًا طائلة ستتحملها الولايات المتحدة".
وزعم الرئيس الأمريكي أنه ليس في حالة حرب مع فنزويلا، قائلًا "نحن في حالة حرب مع من يتاجرون بالمخدرات، ونحن في حرب مع من يفرغون سجونهم في بلدنا، ويفرغون مدمني المخدرات، ويفرغون مؤسساتهم العقلية في بلدنا".
وقال إن وزيري الخارجية ماركو روبيو، والحرب بيت هيجسيث، ونائب رئيس موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، ونائب الرئيس جيه دي فانس، سيساعدون في الإشراف على هذه العمليات، بينما سيتولى هو القيادة النهائية.
شرعية مادورو
وجاء حديث ترامب بعد ساعات قليلة من مثول مادورو أمام محكمة في نيويورك، إذ وُجهت إليه سلسلة اتهامات، من بينها "التآمر في جرائم إرهاب تتعلق بالمخدرات" و"التآمر لاستيراد الكوكايين".
وخلال محاكمته نفى الرئيس الفنزويلي ارتكاب هذه الاتهامات، مؤكدًا أنه لا يزال الرئيس الشرعي، رُغم أن نائبته ديلسي رودريجيز أدت اليمين الدستورية كرئيسة مؤقتة أمس.
وقال مادورو "أنا بريء، أنا مخطوف وأسير حرب"، رافضًا اعتبار المحاكمة جنائية، ومؤكدًا أنه لا يحق للأمريكيين القيام بما فعلوه بموجب القوانين الدولية.
ووفقًا لأسوشيتد برس، من المقرر أن يمثل مادورو أمام المحكمة في جلسة أخرى يوم 17 مارس/آذار المقبل.
كما ظهرت زوجة الرئيس الفنزويلي سيليا فلوريس في جلسة المحاكمة تعاني من بعض الإصابات على وجهها تعرضت لها أثناء اختطافها، حسبما ذكرت CNN. ودفعت ببراءتها من التهم المتعلقة بتهريب الكوكايين، مؤكدة عدم تورطها في أي أنشطة غير قانونية "أنا السيدة الأولى لجمهورية فنزويلا".
ترامب خالف الدستور والقانون
في الداخل الأمريكي يبدو المشهد مرتبكًا ومنقسمًا بين الديمقراطيين والجمهوريين وخاصة في الكونجرس، فبينما يدعم عدد كبير من الجمهوريين العملية الأمريكية في فنزويلا ضد "رجل متهم بتهريب المخدرات" مُقللين من خطورتها، عبّر الديمقراطيون عن غضبهم لتنفيذ العملية دون موافقة مسبقة من الكونجرس.
واعتبر الديمقراطيون أن ترامب تجاوز الدستور وقانون "سلطات الحرب" الذي يشترط موافقة الكونجرس للقيام بأي عمل عسكري خارجي، وهو ما رد عليه الرئيس الأمريكي خلال اللقاء أمس بأنه "لا يحتاج إلى موافقة المشرعين لإعادة إرسال قوات أمربكية".
وأضاف "لدينا دعم جيد داخل الكونجرس الذي كان يعلم بما نقوم به طوال الوقت.. لماذا لا يدعموننا؟".
وعندما سُئل عما الذي "كان الكونجرس يعلم به" تحديدًا، وما إذا كان أي من أعضائه قد أبلغ مسبقًا بالعملية، رفض ترامب الخوض في التفاصيل، وقال "لا أريد الدخول في ذلك، لكن الناس كانوا يعلمون".
رمادية الموقف الأوروبي
وإن كانت تحركات ترامب في فنزويلا لاقت رفضًا في أمريكا، فإن ذلك لم يحدث على مستوى كبير لدى دول الاتحاد الأوروبي التي سيطر اللون الرمادي على موقفها، فبينما اعتبرتها دول مثل فرنسا وإسبانيا والنمسا انتهاكًا للقانون الدولي، اكتفت بقية الدول بالتشديد على ضرورة ضبط النفس وتجنب تفاقم الأزمة عسكريًا.
وقالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية أمس، إن إلقاء القبض على مادورو يتيح فرصة لعملية انتقال ديمقراطي في البلاد، مضيفة "من السابق لأوانه دراسة جميع التداعيات وتقييمها من الناحية القانونية".
ولم تعلق على كيفية توصيف الاتحاد الأوروبي للإجراء الأمريكي، لكنها قالت إنه "يتيح فرصة لانتقال ديمقراطي بقيادة الشعب الفنزويلي"، مردفة "يجدر التذكير بأن نيكولاس مادورو كان يفتقر إلى شرعية الزعيم المنتخب ديمقراطيًا".