أبتْ إيران أن تودعَّ سنة 2025 في هدوءٍ، بعد أن ضربت موعدًا مع موجة احتجاجات واسعة تفجرت في الأيام الأخيرة من الشهر الماضي، امتدت من العاصمة طهران إلى أكثر من 220 موقعًا في 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية، احتجاجًا على انهيار العملة وارتفاع التضخم.
هذه الاحتجاجات التي جُوبهت بإجراءات أمنية مشددة وشهدت اعتقالات واسعة وسقوط قتلى بين المتظاهرين، لا تزال مستمرة إلى اليوم، فهل تنذر بما هو أبعد؟
حسب آخر التحديثات أدى التعامل الأمني مع الاحتجاجات إلى مقتل 35 شخصًا على الأقل، مع اعتقال أكثر من 1200 آخرين، فيما أظهرت مقاطع متداولة على السوشيال ميديا إصابة 13 عنصرًا من الشرطة برشق الحجارة.
ما أسباب الاحتجاجات؟
اندلعت شرارة الاحتجاجات مع قرار الحكومة استحداث شريحة تسعير للبنزين المدعوم، ما أدى إلى زيادة أسعار الوقود، وهو ما انعكس على أسعار العديد من المنتجات، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 70%، وبلغ معدل التضخم في ديسمبر أكثر من 40%.
الاحتجاجات التي تركزت في البداية على المطالب الاقتصادية، دعا لها ونظمها تجار في طهران، إذ أغلق أصحاب المتاجر محلاتهم في السوق الكبيرة بطهران وسوقي لاله زار وعلاء الدين، مؤكدين أن الوضع الاقتصادي المنهار ما هو إلا نتيجة مباشرة لسوء الإدارة السياسية.
إلى جانب سوء الإدارة في إيران، ذهبت تقارير إلى علاقة وثيقة بين تعميق الأزمة الاقتصادية مؤخرًا والحرب الإيرانية الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي، التي إضافة إلى كونها نقطة تحول عسكري مهمة كان لها تأثير كبير على الاقتصاد، ولا تزال تداعياتها مستمرة.
وأدى تشديد الضغوط الدولية على طهران، خاصة منذ سبتمبر/أيلول حين أعادت الأمم المتحدة فرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، إلى تعميق عزلتها الاقتصادية في الأسواق العالمية وتقليص عائدات النفط، في الوقت الذي واجهت البلاد أواخر العام الماضي واحدة من أسوأ موجات الجفاف في تاريخها الحديث.
ما المختلف هذه المرة؟
الاحتجاجات التي بدأت بمطالب اقتصادية بحتة؛ سرعان ما رفعت شعاراتٍ سياسيةً مناهضةً للنظام مع انضمام فئات أخرى إليها، وهو ما أعاد إلى الأذهان سلسلةً طويلةً من احتجاجات الشارع الإيراني على سياسيات نظامه.
ويحمل العقد الأخير جولات متتالية لاحتجاجات الشارع الإيراني، فالاضطرابات الحالية لا تنفصل عن هذا التاريخ لكنها تختلف في أسبابها، والمشاركين فيها ومطالبها، وإن كانت احتجاجات 2019 هي الأكثر شبهًا بها فهي الأخرى بدأت لأسباب اقتصادية.
لذا تحذر بعض التقارير من المبالغة في التوقعات. ففي 2019 عمت الاحتجاجات نحو 100 مدينة وأسفرت عن مئات القتلى، لكن هذه الموجة لم تؤت ثمارها، وتمكن النظام من إجهاضها.
في المقابل وفيما تبدو التحركات الحالية أقل اتساعًا من 2019، إلا أنها كما يرى مراقبون أخطر منها ومن الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2023 بسبب تزامنها مع تدهور معيشي مستمر وضعف إقليمي لطهران.
تختلف كذلك التحركات الحالية عن احتجاجات 2022 التي كانت أسبابها اجتماعية وأخلاقية، بعد مقتل الفتاة مهسا أميني داخل حجز شرطة الآداب، وتحولها إلى رمز للقمع الممنهج بحق النساء،.
حظيت هذه الاحتجاجات باهتمام دولي بالحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، وأبدت حكومات غربية دعمها للاحتجاجات مع فرض عقوبات محدودة. وعلى أثرها تشكّلت حركة احتجاجية تمحورت حول الكرامة وحرية الجسد والحريات الشخصية، لتتجاوز مطلب المحاسبة إلى مساءلة أسس السيطرة الاجتماعية التي يفرضها النظام.
وعبّر شعار "امرأة، حياة، حرية" الذي رفعه المتظاهرون حينها عن تمرّد جيلي واسع على الحجاب الإجباري والبنية الاستبدادية، وتصدّرت النساء والشباب واجهته، وحوّلوا أشكال المقاومة اليومية إلى تحدٍّ وطني مباشر لشرعية السلطة.
كيف تعاملت السلطة؟
رغم التفسيرات الجاهزة لدى النظام الإيراني بأن ما يحدث مؤامرة على دولتهم؛ أقرت التصريحات الرسمية من كبار مسؤولي الدولة بصعوبة الوضع الاقتصادي، كما حاولت الحكومة تقديمَ بعض التضحيات في سبيل تهدئة الشارع، من بينها استقالة محافظ البنك المركزي.
كذلك أقر المرشد الإيراني علي خامنئي بـ"الصعوبات الاقتصادية"، مؤكدًا أن احتجاجات التجار "محقة ولهم كل الحق فيها"، لكنه في الوقت ذاته تحدث عن المؤامرة، معتبرًا أن ما يحدث جزء من "حرب ناعمة" تشنها قوى خارجية ضد بلاده، وأنه "لا جدوى من الحوار مع مثيري الشغب"، داعيًا إلى التصدي لهم.
واعترف رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان بمسؤولية السلطات عن جزء كبير من الأزمات المعيشية والاقتصادية التي ترهق كاهل المواطنين، مقرًا بأن بعض السياسات والقرارات الحكومية كانت "خاطئة"، وأن الأجهزة الرسمية "تخلق أحيانًا مشاكل للناس بدلاً من حلها"، واعدًا بإصلاحات تهدف إلى استقرار العملة والنظر في المطالب الاقتصادية للمتظاهرين.
ولم يمنع هذا الاعتراف بالأزمة من التعامل الأمني العنيف مع المتظاهرين، ما انتهى بإغلاق المدارس والجامعات والمكاتب الحكومية مؤقتًا في عدد من المحافظات، وفرض السلطات المحلية قيودًا على التجمعات العامة.
ما رد الفعل الغربي على الاحتجاجات؟
تأتي الاحتجاجات في لحظة توتر متصاعد في علاقات إيران مع الولايات المتحدة وخصومها الإقليميين. وتجاوز رد الفعل هذه المرة إعلانات الدعم والتضامن مع المتظاهرين إلى التهديد المباشر.
وهدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة بتدخل أمريكي محتمل، قائلًا "إذا أطلقت إيران النار وقتلت متظاهرين سلميين بعنف، كما هي عادتها، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستأتي لإنقاذهم".
وردّ علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والرئيس السابق للبرلمان، على تصريحات ترامب، متهمًا الولايات المتحدة بإشعال الاضطرابات الداخلية وتحميلها مسؤولية ما يجري عبر "تدخل خارجي".
دخل على الخط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقال في خطاب ألقاه أمام الكنيست، أمس الاثنين، إنه من المحتمل أن يكون الشعب الإيراني على أعتاب لحظة مصيرية، يتمكن فيها من التحكم في مصيره بيده.
وأكد أن "إسرائيل تعرب عن تضامنها مع نضال الشعب الإيراني وتطلعاته إلى الحرية والعدالة".
بالنسبة لكثيرين داخل القيادة الإيرانية، تُعد تحركات واشنطن الأخيرة في الخارج، بما في ذلك اختطاف واحتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، دليلًا على استعداد ترامب لتجاوز القانون الدولي خدمة لمصالح استراتيجية واقتصادية.
لماذا هذه أخطر احتجاجات؟
تذهب تحليلات لأن هذه الاحتجاجات ربما تكون الأخطر، وذلك لأنها تعبر عن أزمتين متزامنتين؛ أزمة خارجية بتصاعد التهديدات الدولية، وداخلية لأن التحرك بدأ من طبقة التجار المعروف أنها من القاعدة الداعمة للنظام وتاريخًا كان لها دور حاسم في الثورة الإسلامية عام 1979، بالتالي فإن انتقال الأزمات من المجال الاجتماعي إلى البنية الاقتصادية هو خطر حقيقي على استمراره.
قد يبقى النظام الإيراني قادرًا على الصمود أمنيًا، لكنه يعاني هشاشة متزايدة في علاقته بالمجتمع، ما يحوّل التحدي من تهديدات مباشرة يمكن احتواؤها، إلى اختلالات طويلة الأمد تهدد قاعدته الشرعية وقدرته على الحشد.