
حراس الأرشيف السوري.. من أجل سردية عقلانية للثورة
ما إن انطلقت الثورة السورية في ربيع عام 2011 حتى تفجر طوفانٌ من المعلومات ذات الطابع الرقمي، طفت إلى جواره ملايين من أوراق وملفّات النظام وتقاريره الأمنية المكدسة والرسائل الشخصية والعامّة، وكشوف المعارضين للأسد حتى محبّي الألعاب الرقمية وموسيقى الراب والميتال.. إلى آخره.
رافق الطوفان المعلوماتي الثورةَ منذ اندلاعها حتى سقوط النظام بنهاية عام 2024، واشتمل على كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالتظاهرات الاحتجاجية أو المؤيدة لنظام بشار، إضافة إلى ردود الفعل الداخلية والإقليمية والدولية.
تبع هذا الطوفانَ طوفانٌ آخر عن الحرب ضد العامّة كما سمّاها الكاتب والمترجم السوري والسجين السياسي السابق ياسين الحاج صالح، وتشمل المواد القائمة على الكراهية وممارسات النظام الاضطهادية ضد الشعب من تعذيب وسجن وإذلال واغتصاب.
لم تجد كل هذه السيول المعلوماتية من مصبٍّ أخيرٍ جامعٍ له، يتبنّى ما نُشر وما زال ينشر من وعن وفي الثورة السورية؛ فتوزَّع على مجامع أو شبه قواعد بيانات/databases مختلفة من حيث الهوية المادّية والأيديولوجية.
هذا فضلًا عن غياب الإجماع حول سردية توافقية للحدث السوري بسبب غياب المواءمة في سرديات الثورة نفسها وبين فواعلها المتعددين المتنافرين فيما بينهم، حتى مع تجاهل سردية النظام المخلوع الهشّة ما جعل سيل المعلومات، من مواد مرئية ومسموعة أو وثائق مكتوبة أو مصوّرة، يتوزّع على أمكنة مختلفة ويكتسب مع هذا التوزيع أدوارًا ووظائف متعددة.
كما وأن أغلب هذه التباينات لا علاقة لها بطبيعة المحتوى أو برسالته، بل بمكان حفظه وكيفية الوصول إليه. وبعد معاينة جوامع المعلومات هذه نجد أن القاسم المشترك بينها هو طبيعتها المادّية؛ أي كونها رقمية/digital، وأُفضل تسميتها جوامع وليست أرشيفات؛ لأنها ما زالت في مرحلة ما قبل الأرشيفية l’archive أي أنها لم تمتلك سلطة الأرشيف لاحتكار المعلومة بعد.
ومن أنجع المحاولات الجدّية لتوثيق الثورة السورية مشروع ذاكرة إبداعية من تأسيس المصممة سنا يازجي، وهو المشروع الذي لم يجبر أرشيفه على الانضواء تحت التقليد السلطوي للأرشيف كونه مكانًا لاحتكار الوثيقة، بل انتقل به كمشروع سياسي مرتبط جذريًا بالذاكرة. ينتمي المشروع لما يمكننا تسميته مشروعات مقرطة المعلومات/data democratization أي جعلها في متناول الجميع، فتقاوم بذلك الحصرية في احتكار التاريخ والمعلومة التاريخية.
يتجاوز مشروع "ذاكرة إبداعية" وظيفة التخزين السلبي للمعلومات، ويصبح أداةً للذاكرة، وآليةً لإعادة تشكيل السرديات السياسية والثقافية، فهو مرتبط بمعايير انتقاءٍ معيّنة تعكس في النهاية الأيديولوجيا والقيم التي تُملى من خلالها عملية معكوسة؛ هي النسيان القسري/active forgetting؛ أي عدم أرشفة مواد معيّنة ممّا يجعلها أكثر عرضة للنسيان أو الفقدان.
نجد تنسيقًا مشابهًا في عملية الأرشفة لدى منصّة الذاكرة السورية بـ أل التعريف؛ المشروع البحثي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
بقاء بنوك المعلومات تحت رحمة قرارات فردية قد يكون سببًا لانتقامات ترفض مسار العدالة الانتقالية
يحاول المشروع بناء أرشيف موثوق وشامل للأحداث منذ نشوء الثورة السورية حتى اليوم. ويختلف عن الذاكرة الإبداعية كونه أكثر شمولًا باعتماده لشهادات وحصوله على وثائق حصرية تجعل منه مصدرًا أكاديميًا ومنصّة تفاعلية.
نتذكّر أيضًا محاولات أرشيفية أخرى مثل مشروع أرشيف الثورة السورية لمؤسّسه تامر تركماني، وهو نتاج جهد فردي هائل لأرشفة وتوثيق جرائم النظام السوري بأسماء أفراد من جيشه وأمنه وبمعلوماتهم الشخصية وأماكن وجودهم ودورهم في ارتكاب جرائم معيّنة أو في التحريض عليها.
وانتقل المشروع في الآونة الأخيرة، أي بعد سقوط النظام، للتنقيب في بنك معلوماته والبحث فيه لفضح رموز النظام ومن يحاول منهم العودة أو التسلُّق على التغيّرات الأخيرة في سوريا، وهو ما يثير التساؤل عن مدى صوابية بقاء بنوك المعلومات هذه تحت رحمة قرارات فردية. فالإشهار اليوم قد يكون سببًا لانتقامات فردية ترفض انتظار مسار العدالة الانتقالية ويهيئ بعض المناطق لاحتراب ثأري جديد.
رغم الجهد الكبير الذي بذله القائمون على أرشيفات الثورة لكن غاب عن غالبيتهم تبني خطاب يُشكل ذاكرة سورية ما دون احتكارٍ لـ"أل" التعريف ويدعم سردية شعبية ضدّ أي محاولة لتحجير سيرورة الثورة في قالب يرفض كل ما هو خارجَ حدوده.
في صلابة الأبد والأرشيف
سقط الأبد! ومع سقوطه سقط صرح المنظومة الأمنية وتفجَّرت بنوك معلومات موازية لأرشيف المخابرات والفروع الأمنية في مشهد يذكّر باستباحة أرشيف البعث العراقي من الأمريكيين مع سقوط بغداد في عام 2003. وبذلك تطابقت الهيئة الشكلية لمعاملات وملفّات وأوراق النظام الأمنية مع صورتِه في المخيال السوري العام؛ أوراق مكدّسة ومرمية في ترتيب يغلب عليه طابع التقليد أكثر من طابعِ الحرفية أو المهنية، فضلًا عن طبقات من الغبار المتراكم تشي بالبارانويا الأمنية للنظام في حفظ وتدوين كل ما أتيح له من معلومات لغرض التسجيل والحفظ دون التساؤل حول القيمة الفعلية لما دُوّنَ أصلًا.
ملايين الملفّات والمجلّدات، والتقارير الأمنية، والبرقيات والرسائل الشخصية والعامّة، والسير الحياتية عن معارضي الأسد، وتكهنات مخابراتية مرتبكة حول شخصيات مركزية في الحدث السوري ومنها أحمد الشرع/أبو محمّد الجولاني، الذي لم تكن المخابرات السورية متيقّنة بعد من اسمه الحقيقي، محتارةً بين أربع احتمالات قبل ظهوره الأوّل في عام 2016.
نجد بين الوثائق ملفًا أمنيًا لمحبّي الألعاب الرقمية مثل "بَبجي" و"فورت نايت" و"كلاش أوف كلانس"، وأجندات لمخبرين حسب توزّعهم الجغرافي، وأخرى لمحبّي موسيقى الراب والميتال تحت عنوان "عبدة الشيطان"، ومحدّدات جمالية/Aesthetic criteria لضبط التقارير في حجم خطّ ونوع محدّدين.
كانت ملّفات النظام السوري الأمنية عصية على التقييم طوال سنوات الحكم البعثي، محصّنة بالسرية والتعتيم والكتمان، لا تُفتح أبدًا، ولا يُسمح لأحد بمساءلتها أو مراجعتها. وكان البعض يجزم بحرفية المخابرات السورية وصلابة منظومتها وأمنها المعلوماتي، ولم نسمع في المقابل كلامًا مقنعًا أو نلتمس دليلًا ما على هذه الحرفية الأمنية، بل كان بطش النظام وإجرامه قد فضحا خوفه وتفشّي الفساد حتى في منظومة المخابرات والتقارير.
وكان انتشار حميمية العائلة الحاكمة عبر ألبومات صورها وتحطيم تماثيل أفرادها بالتوازي مع كشف ملفّات أمنية لأوّل مرة، تهتم وتلاحق محبّي نمط موسيقي معيَّن أو ممارسي ألعاب إلكترونية ما، الاقتحام الأوّل من نوعه لـ"العمومي" في أكثر الأماكن خصوصية للسلطة: حميميتها وأصنامها وتقاريرها. فبدا المشهد وكأنَّ المدن السورية كانت أرشيفًا علنيًا صلب القوام، لا يتزحزح، يفرض تاريخه الوحيد، ويمنع أهلها من امتلاك أي ذاكرة أخرى.
كأنّ كلّ ما له علاقة بالنظام السوري يجب أن يكون صلبًا، بغض النظر عن أن أغلب تماثيله كرتونية فارغة من الداخل، مقابل ثورةٍ لها بعدها الرقمي منذ يومها الأوّل وحتى سقوط بشار في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي؛ فبقيت الثورة وفيةً لطبيعتها الإلكترونية، بينما تمسّك النظام بماديته حتى لحظاته الأخيرة.
وكان بيان وزير الدفاع الأخير قبل سقوط دمشق مشهدًا مكثّفًا لهذا التناقض، إذ ظهر الوزير محاطًا بهواتف أرضية سلكية، بينما اجتاح الفضاء الإعلامي السوري سيل رقمي من "الريلز" لقادة عملية ردع العدوان، والمقاطع والصور العاجلة لمعارك اللحظات الأخيرة.
أرشيف قيصر والناجي الأخير
في كل استهلال لحلقة من حلقات المسلسل السوري الساخر ضيعة ضايعة من إخراج الليث حجو، إنتاج 2008، نسمع عبارة كما هي العادة في كل المجازر التي تحدث .. هناك ناج وحيد، وبالمثل فإن صور قيصر كانت الناجي من المكون الإبادي للنظام السوري. فتكلّم سامي قيصر وبعدها فريد المذهان (قيصر) في مقابلتين عن عملية التقاط صور التعذيب ونقلها ومطابقتها بالمعلومات الوصفية/meta data الملاصقة لعملية التحقّق من الصور.
وكانت مأسسة العمل، كما وصفها سامي، السبيل الوحيد لتكون هذه الصور فعلًا ناجية بشكل كامل بحيث لا يعتمد الملف وصوره على الأفراد، بل يصبح قضية إنسانية لن تتوقف بغياب فواعلها. ملفّ قيصر ليس مجرّد أرشيف، بل قضية مستمرّة تسعى لتحقيق العدالة لضحايا التعذيب في سوريا.
على العكس فإن سجن صيدنايا وغيره من سجون التعذيب تصير اليوم رهينة رغبة البعض بالنسيان الساذج بمحاولات مثل تلوين بوابة السجن بعلم الثورة السورية أو نشر كولبات العصير والقهوة في باحة السجن وكأنّنا على موعد مع افتتاح جديد.
صيدنايا هو حدث سوري في النهاية وهو ما يمكننا تسميته بـ"التراث الأسود" أو "التراث المظلم" حسب الباحث الألماني شتيفان ميليش/Stefan Milich فأماكن القمع السياسي والتعذيب الجسدي هي أماكن ذاكرة في تحوّل من كونها اليوم وثيقة جنائية إلى أن تصير معلمًا from document to monument للذاكرة والتراث.
من مهام الأرشيف السوري اليوم العمل تاريخيًا للاعتراف بأن النظام السابق كان سوريًا، وأن البعث أيديولوجية قومية ومن رحم الجغرافيا والمجتمع السوري. وهذا ليس إجحافًا بحقّ السوريين، بل هو محاولة لضمّهم إلى المجتمع الدولي ونزع المظلومية الأبدية عنهم. نحن، مع الأسف، أمام مثال لا نريد تكراره في فلسطينَ أخرى. وأفعال النظام هي أفعال بشرٍ، ونحن، باعتبارنا بشرًا، لسنا منزّهين عن جرائم الماضي أو المستقبل.