
مسؤولة بـ"الآثار السودانية": 80% من مقتنيات المتحف القومي نهبها ودمرها "الدعم السريع"
تعرَّض متحف السودان القومي، الذي يضم المستودع الرئيسي لآثار السودان، لسرقة وتخريب 80% من مقتنياته من الآثار، وفق تقرير مبدئي، وذلك حسبما أوضحت مديرة إدارة المتاحف ورئيسة وحدة متابعة الآثار المسروقة واستردادها الدكتورة إخلاص عبد اللطيف لـ المنصة.
ويحتوي المتحف على مقتنيات من العصور الحجرية مرورًا بالآثار النوبية والمسيحية وحتى الفترة الإسلامية، ووصفت إخلاص عبد اللطيف ما حدث به بالمحنة الكبيرة، وقالت "ما حدث هو سرقة ممنهجة من جانب قوات الدعم السريع، فهم مرتزقة غير مؤهلين وما بيعرفوا شنو قيمة الآثار وأهميتها".
وفي اتهامها لقوات الدعم السريع، قالت "سرقوا الآثار الأخف وزنًا لكنها الأكثر قيمة"، وعلى حد قولها جرى ذلك "بتوجيهات من جهات خارجية توصيهم يسرقوا شنو، من أجل محو وطمس هوية السودان وحضارته".
وكان المخرج السوداني الطيب صديق أعرب قبل أيام عن خيبته وحزنه بسبب نهب المتحف، ونشر على فيسبوك صورة له في العاصمة الخرطوم، مؤكدًا خلو المتحف من معظم آثاره المهمة.
وخلال جولتها أمس داخل المتحف، أبرزت القناة التاسعة السودانية في فيديو آثار الدمار والنهب التي طالته "على يد الدعم السريع"، وتداول مستخدمو فيسبوك هاشتاج "أنقذو آثار السودان" وندد آخرون بعمليات السرقة والتدمير للمتحف.
ومنذ أبريل/نيسان 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربًا خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدر بحث لجامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفًا.
وخلال الفترة الأخيرة تقدمت قوات الجيش السوداني واستعادت السيطرة على العاصمة، وحسبما قالت الجزيرة اليوم يعتزم الجيش إعلان الخرطوم خالية من قوات الدعم السريع.
وأوضحت مديرة إدارة المتاحف السودانية لـ المنصة أنه بعد تحرير العاصمة، بما فيها المتحف "بدأ فريق عمل بحصر مبدئي لعمليات السلب والنهب التي طالت المتحف".
وقالت "تراثنا كله داخل المتحف، نُهبت أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، بالإضافة إلى الاستيلاء الكامل على أهم غرفة بالمتحف، غرفة الذهب، التي تضم كمًا هائلًا من المقتنيات الذهبية المشغولة باتقان بديع من حضارة مملكة كوش" التي يزيد عمرها عن 2300 سنة.
تعتبر كوش حضارة إفريقية سودانية لأكثر من ألفي عام، وكانت في بدايتها متمركزة في نبتة (كريمة الحالية بالسودان)، وفي السنوات من 300 قبل الميلاد إلى 300 بعد الميلاد حكمت كوش من العاصمة مروي، حتى تفككت وضعفت بسبب التمردات الداخلية، واستولت عليها مملكة أكسوم الحبشية.
أوضحت إخلاص عبد اللطيف أن فريق العمل عثر على جداريات وتماثيل محطمة بالمتحف "المرتزقة ألقوا بالآثار التي لم يحملوها على الأرض ومشوا عليها بأقدامهم ودمروها، وكشفت المعاينة المبدئية عن تماثيل محطمة إلى قسمين وثلاثة".
"صحيح ممكن ترميمها" حسبما قالت، "لكن ما حدث يكشف الهجمية التي تعاملت بها قوات الدعم السريع مع الآثار والحضارة السودانية".
ووفقًا لمديرة إدارة المتاحف، تتشكل لجنة علمية متخصصة خلال الأيام المقبلة "من أجل حصر شامل للآثار والمقتنيات المسروقة، والوقوف على حجم الخسائر، ومقارنتها بقاعدة البيانات، وإضافة كل المسروقات الجديدة للقائمة الحمراء التي نسلمها للإنتربول لملاحقة أي عمليات بيع للآثار السودانية المسروقة على مستوى العالم، واستمرار التنسيق مع المندوب الدائم للسودان في اليونسكو".
والعام الماضي، أثناء سيطرة الدعم السريع على العاصمة الخرطوم، خرجت تقارير تفيد بنهبها متحف السودان القومي، وتهريب بعض القطع الأثرية إلى خارج البلاد عبر حدودها الجنوبية. وأوضحت هيئة الإذاعة والتليفزيون السودانية وقتها أن "صور الأقمار الصناعية أكدت أن شاحنات محملة بمواد غادرت المتحف متجهة نحو الحدود مع جنوب السودان".
وقالت رئيسة وحدة متابعة الآثار المسروقة "نتابع مع القوات المسلحة وجهاز الاستخبارت منذ اندلاع الحرب، وسبق أن أخبرونا باستيلاء قوات الدعم السريع على المتحف وخروج 3 شاحنات محملة بالآثار من المتحف، ووصولها خارج الحدود، فأبلغنا كل المنظمات العالمية، لاتخاذها اللازم وعدم التداول التجاري لأي آثار سودانية".
وكانت عمليات تأهيل وتطوير للمتحف بدأت عام 2020، وكان من المقرر افتتاحه في ديسمبر/كانون الأول 2023، لكن الحرب حالت دون ذلك، حسبما قالت المسؤولة عن مشروع تأهيل المتحف إخلاص عبد اللطيف، موضحة "يعود تاريخ افتتاح متحف السودان القومي لعام 1971 في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري.
ولفتت "كانت مقتنيات المتحف قبل إنشائه تقع في مناطق متفرقة، مثل جامعة الخرطوم، لكن بعد حملة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة من الغرق بسبب تشييد السد العالي دفعت الدولة لتشييده ليضم كل الآثار من معابد وصروح أثرية تم إنقاذها من شمال السودان".
بوصفها، يتكون المتحف من طابقين وحديقة؛ الأول يحتوى على آثار ما قبل التاريخ حوالي 2500 ق.م، ومقتنيات العصور الحجرية، وحضارة مملكة كوش، بينما يضم الطابق العلوي جداريات ولوحات من الكنائس في العصور المسيحية بمناطق شمال السودان التي تم إنقاذها أيضًا أثناء تشييد السد العالي".
متحف السودان القومي ليس الوحيد الذي تعرض للسرقة، أيضًا "متحف نيالا في دارفور تعرض للسرقة عن بكرة أبيه، ومتحف الجزيرة في مدني التي تم تحريرها قبل 3 شهور، وكذلك تم الاستيلاء على موقع كامل للآثار في منطقة النقعة كان من المقرر تسليم مقتنياته لهيئة الآثار قبل الحرب" حسبما قالت إخلاص عبد اللطيف.