تصميم: أحمد بلال- المنصة

فستان للأفاتار: الأزياء الرقمية تقتحم عالم الفاشون

منشور الاثنين 11 يوليو 2022 - آخر تحديث الاثنين 11 يوليو 2022

في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، أثناء فترة الكساد الكبير (1929- 1934)، كان العالم واقعًا تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، حد أن النساء لم يجدن ما يشترين به ملابس لأطفالهن، فكن يخطن لهم أردية من أكياس الغلال عوضًا عن شراء الجديد منها تماشيًا مع الظروف.

لكن شركات التعبئة سرعان ما أدركت الأمر، فابتكرت حيلة تسويقية ذكية تعتمد على تطوير شكل تغليف منتجاتها، بطباعة وتزيين أكياسها بالرسومات المزركشة لتبدو أكثر أناقة في عيون الأطفال، وخصصت المجلات النسائية صفحات للموضة تضم باترونات بسيطة تصلح للتفصيل في المنزل.

تلك الواقعة وغيرها عبر التاريخ يبرهن أن صناعة الملابس لم تتوقف أبدًا عن تطوير استراتيجيتها لتواكب متغيرات الاستهلاك ورفاهية أفراد المجتمع وظروفهم المعيشية. فالموضة كما تقول أيقونة الصناعة كوكو شانيل "ليست مرتبطة بالأزياء فقط [...] الموضة مرتبطة بالأفكار وأسلوب حياتنا وما يحدث من حولنا".

فستان الأفاتار

يمر العالم الآن بتحول رقمي غير مسبوق أسرع من وتيرته جائحة كورونا، ثم إعلان مارك زوكربيرج، مؤسس فيسبوك، عن تصوراته المستقبلية لعالم الميتافيرس، مما خلق اهتمامًا متزايدًا بمتطلبات الحياة الافتراضية وربط الملموس بالمجاز داخل العالم الافتراضي.

ومثلمًا استطاعت الموضة أن تكون جزءًا فاعلًا في الحياة رغم تقلبات العالم المادي وأمزجة سكانه وقدراتهم الاقتصادية، فإنها حفظت لنفسها حصة من ذلك الواقع المبتكر.

تذهب دراسة إلى إن حوالي 30% من العلامات التجارية في العالم سيكون لديها منتجات وخدمات ميتافيرسية بحلول عام 2026، وبيوت الأزياء العالمية التي لم تفوت فرصة اللحاق بالركب، قفزت سريعًا نحو عالم الميتافيرس بأزياء رقمية digital fashion مصنوعة من البكسل عوضًا عن النسيج، في محاولة لفصل الموضة عن الجسد.

ولكن كمستهلك.. كيف ترى شراء قطعة ملابس افتراضية مصممة للاستخدام داخل الفضاء السيبراني حصرًا؟

تقول فرجينيا وولف إن "الملابس تغير رؤيتنا للعالم، وتغير رؤية العالم لنا"، وفي حين قد يثير حفيظتك أن تدفع مالًا لاقتناء قطعة ملابس لن ترتديها أبدًا أو حتى تلمسها بأصابعك لعدم وجودها ماديًا، فإن الرئيس التنفيذي لشركة كوانتسامب Quantsamp، دفع 9,500 دولارًا ثمنًا لشراء فستان رقمي لزوجته، صممته دار الأزياء الرقمية فابريكانت Fabricant، بتقنية تمكنها من تركيبه على صورتها الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

فستان رقمي من تصميم شركة فابريكانت

رغم جنونية فكرة دفع أموال حقيقية لشراء أشياء تبدو وهمية، حققت الموضة الرقمية مبيعات عالية بفضل سعيها الدؤوب نحو الرقمنة تلبية لمتغيرات السلوك الاستهلاكي لأبناء جيل الألفية وما بعدها. باعت علامة الأزياء الإيطالية الشهيرة جوتشي نسخة رقمية من حقيبة Dionysus على منصة Roblox للألعاب الرقمية، بسعر 4115 دولارًا، أي بما يقارب 800 دولارًا زيادة عن سعر نسختها الملموسة في المتاجر.

في الوقت نفسه، أنشأت مجموعة OTB Group المالكة لعلامة أزياء ديزل قسمًا جديدًا لأزياء الرموز المميزة القابلة للارتداء مجازًا، كما قامت شركة نايكي بشراء شركة RTFKT Studios أشهر علامة تجارية للأحذية الرياضية الافتراضية، بينما كشفت سلسلة المتاجر البريطانية الشهيرة Selfridges عن كونها أول سلسلة متاجر تجزئة في العالم تبيع مجموعة أزياء NFTs.

ولم ينحصر الأمر على شركات الأزياء فقط، بل سعت شركة كوكاكولا إلى تعزيز وجودها في عالم الميتافيرس بتدشين مجموعة من الأصول المشفرة تتضمن سترة حمراء مزينة بعلامتها التجارية.

وفيما تربح صناعة الأزياء بشكلها التقليدي الحالي حوالي 1.25 تريليون دولار سنويًا، فإن البعض يراهن على أن سوق الموضة الرقمية ستكون له القيمة ذاتها في غضون عقدين من الزمن.

رمز قابل للارتداء

ليست الموضة مسألة هامشية أو تافهة، بل تستحق التأمل والدراسة كطريقة مهمة نقدم بها أنفسنا للعالم. ترتبط سيكولوجية الموضة ارتباطًا وثيقًا بأذهاننا وسلوكنا، كما أكد عالم النفس الأمريكي ورئيس قسم الإدارة في كلية كولومبيا للأعمال آدم جالينسكي "إن الملابس تغزو أجسادنا وأدمغتنا وتضعنا في حالة نفسية مختلفة".

منذ بزوغ شمس الحضارة كانت الملابس دليلًا على التمدن والرقي والمكانة الاجتماعية، بما في ذلك تعزيز الذات وتصنيفها والتعبير عنها. يشتر الناس الأزياء ليس من أجل الأغراض النفعية فقط، ولكن أيضًا لتكوين صورة عن نمط حياة معين أو هوية اجتماعية أو معتقدات الفرد وقيمه، وفي بعض الأحيان من أجل المتعة أيضًا.

ولكن كيف تجذب الرموز القابلة للارتداء مجازًا NFTs Wearables الناس؟

يجدر علينا أولاً فهم دورها داخل عالم المجاز. في الوقت الحاضر، يحاول الكثير من الناس الهروب من الواقع إلى عالم الإنترنت. بدأ ذلك يتجلى مؤخرًا على مستوى مختلف تمامًا، بمساعدة الميتافيرس الذي ساعد على السفر إلى عوالم افتراضية مختلفة وإنشاء صورة رمزية لحياة افتراضية.

فكما الحال في عالمنا الملموس، سيسمح العالم الرقمي للمستخدمين بالدراسة والعمل وممارسة الألعاب الرقمية ومقابلة الأصدقاء وحضور الحفلات الافتراضية والكثير من الأنشطة.

ولا ننسى أن الغالبية يقيمون الآخرين بناء على المظهر الخارجي، وسواء أكانت ملابسنا مصنوعة من النسيج أو البكسل، فإنها تعبر عن هويتنا وأفكارنا ورؤيتنا تجاه العالم، كما تؤكد ليزا جيه سبرينجستيل، في كتابها Becoming A Fashion Designer "الموضة ليست مجرد منتج؛ فهي تجسيد لهوية الأفراد، وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم وإدراكهم وتصويرهم لها، وطريقة تصرُّفهم، وأسلوب حياتهم".

وعليه، سيرغب هواة التميز ومحبي اقتناء العلامات التجارية الأصلية، في الظهور بشكل متفرد عبر الاهتمام بمظهر أيقوناتهم الرمزية (الأفاتار الخاص بهم) داخل الفضاء السيبيري؛ كأسلوب جديد للتعبير عن النفس والتباهي بالمكانة الاجتماعية.

على سبيل المثال، نجد أن شركة Adidas تعاونت مع العديد من فناني NFT، لتقديم قطع ملابس حصرية لهواة التشفير، كجزء من مشروعها Into the Metavers.

بين الأصلي والزائف

في العالم المادي تتعرض العلامات التجارية الشهيرة لمحاولات عديدة للتقليد، وهو ما يمثل مشكلة دائمة لأصحاب العلامات الأصلية ومستهلكيها من راغبي التميز. لكن هذه لن تكون مشكلة في عالم الميتافيرس، حيث سيكون سهلًا التحقق من أصالة المنتج من عدمه عبر عقود الملكية الذكية التي تتميز بها الأزياء المشفرة رقميًا، ويمكن التحقق منها بسهولة لأنها محفوظة كوحدة بيانات وصفية فريدة داخل سجلات البلوكتشين، تمنح المالك تعريفًا خاصًا TokenID، يثبت ملكية وأصالة وتفرد كل قطعة.

زي رقمي من تصميم شركة فابريكانت

ففي الأساس تقترن الرموز المميزة NFTs بشهادات فريدة، تُستخدم للتصديق على ملكية الأصول الرقمية مثل الأعمال الفنية ومقاطع الفيديو والموسيقى وحتى الأزياء الرقمية. تضمن تقنية سلاسل الكتل عدم إمكانية تكرار رموز الـ NFTs أو تزويرها أو سرقتها، كما تتيح تتبع التغييرات في الملكية والقيمة، حيث يتم تداول الرموز المميزة عبر الإنترنت، في الغالب باستخدام منصة العملة المشفرة Ethereum.

شجع هذا شركة نايكي على الوثب نحو سوق الـNFTs Wearables، بحصولها على براءة اختراع نظام يطلق عليه كريبتوكيكس للتحقق من أصالة أحذيتها الرياضية، يربط منتجاتها الأصلية في العالم الملموس بنسخ مشفرة رقميًا في عالم المجاز؛ لتصبح بذلك العلامة التجارية التقليدية الأكثر ارتباطًا بـ الموضة الرقمية.

للتبسيط؛ فكر في الأمر على هذا النحو: جميعنا يعرف فستان الزفاف الأسطوري لأيقونة الموضة جريس كيلي، الذي ارتدته خلال مراسم زواجها من أمير موناكو. يمكن لأي شخص في العالم يجيد فن الحياكة تقليده بسهولة، وبيع آلاف النسخ المقلدة منه، لكن تبقى نسخة واحدة في العالم كله أصلية ولها حقوق ملكية حصرية، وتلك الندرة تجعل هذا الفستان دونا عن غيره ذو قيمة.

الأخلاق الرقمية

يقول مصمم الأزياء الفرنسي إيف سان لوران، إن "الموضة يخبو بريقها، بينما الأناقة خالدة"، لكن المتابع لتاريخ الصناعة في العالم، سيكتشف أنها أناقة متبوعة بعدم الأخلاقية؛ جراء سوء أجور العاملين بالصناعة، بجانب بشاعة إجراء التجارب على الحيوانات، واستخدام مواد تصنيع ضارة بالصحة والبيئة.

انطلق من هذه النقطة  كتاب Overdressed: The Shockingly High Cost of Cheap Fashion لإليزابيث ل. كلاين كاشفًا عن قوة التأثير الحقيقية لصناعة الأزياء على الأفراد والمجتمع والبيئة والرفاهية الاقتصادية.

في هذا الصدد، فتحت تقنية تشفير الأزياء مجالًا للصناعة التي تشتهر بالتكتم الشديد في آليات عملها لإثبات مدى التزامهم بثقافات معينة، مثل الاستدامة والخلو من القسوة، وما إلى ذلك، نظرًا لوجود الرموز المميزة القابلة للارتداء مجازًا على سجلات البلوكتشين.

كافة مراحل التصنيع مسجلة بشكل دقيق ومرئي بما يتيح معرفة تفاصيل صناعة كل قطعة ملابس، مثل بلد المنشأ، وظروف العمالة وسلاسل الإمداد، والرفق بالحيوانات، واستدامة مواد التصنيع، إلخ.

يقدر البنك الدولي أن معالجة وإنتاج المنسوجات يمثلان 20% من تلوث المياه العالمي، بالإضافة إلى 10% من انبعاثات الكربون العالمية، فيما أكد تقرير صادر عن Global Fashion Agenda أن علاج المشكلات البيئية والاجتماعية الناجمة عن صناعة الأزياء سيحقق مزيدًا من الأرباح بحلول عام 2030.

فيديو عن صناعة الملابس الرقمية


وفي الحقيقة، يمكن أن تساعد الرموز المميزة القابلة للارتداء مجازًا العلامات التجارية فى التغلب على تحديات الصناعة في العالم المادي، مثل الحد من الإهدار عبر تقليل النفايات والعينات المنتجة قبل مرحلة التصنيع الفعلي من خلال تخيل التصميم المبدئي، وأخذ قياسات الجسد وتحديد شكل التصميم الملائم له، ثم تجربة الملابس افتراضيًا على مجسمات الافاتار الخاص بالعملاء قبل أن يتم تصنيعها، وإعادة تصميم وإنتاج الملابس رقميًا أو تكييفها حسب طلب العملاء أو قناعاتهم الاستهلاكية، ليتم شحنها إليهم دون الحاجة للخروج من المنزل للتسوق.

واللافت أن الترويج لهذه الأزياء كبديل صديق للبيئة يعد حالة من حالات الغسل الأخضر كأسلوب خداع للعميل المهتم بشؤون البيئة والاستدامة لأنها في حقيقتها أصول مشفرة، تعمل وتدار عبر سجلات البلوكتشين التي بدورها تستهلك كميات مهولة من الطاقة، وتولد المزيد من الانبعاثات الكربونية في كل مرة يعاد شراؤها أو بيعها.

ولكن البقاء للأصل

تبدو صناعة الموضة الرقمية إذن حيلة تسويقية ذكية، تشبه إلى حد كبير محاولات شركات التعبئة تلوين أقمشة أكياس القمح إبان أزمة الكساد العظيم، لكنها حيلة تتناسب مع مقتضيات زمن الرقمنة، تسعى إلى تعزيز مستقبل البيع بالتجزئة وتحسن تجربة التسوّق الإلكتروني، خاصة وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي الذي يسود العالم.

وبما أن الملابس أحد مظاهر الحضارة والتمدن، فلا يمكن أن تنفصل الموضة عن الجسد ويحل البكسل محل النسيج. سيظل علينا ارتداء ملابسنا المنسوجة طالما أننا على قيد الحياة، لأن الملابس لم تكن أبدًا مجرد قطعة قماش تغطي الجسد. يقول الشاعر تامر فتحي في ديوانه بالأمس فقدت زرًا، عن الملابس "هي التي تختار أجسادها/ تصبح شيقة أو واسعة/ أو مناسبة تمامًا/ لها قدرتها على الاقتناص/ وعلى أن تصبح الفريسة".