قطة وابنتها- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

الإنسان والخل الذكي: أرواح طيبة تنقذنا من الهلاك

منشور السبت 14 أغسطس 2021

 

في وقت متأخر من الليل، استيقظ عبد العزيز على جلبة صاخبة؛ كلبته في المنزل تنبح بهيستيريا، لم يفلح صياحه المضطرب في إسكاتها، فنهض من سريره وهو يقسم بكل ما يحفظه من أيمان على أن يضربها قبل أن يطردها إلى الخارج عندما التقطت حواسه الناعسة رائحة غاز قوية.

انتفض الرجل القلق الذي استيقظ لتوه إلى مفتاح الضوء لينير الغرفة، لكن الكلبة التي كانت ما تزال تتحرك من حوله بنفس الهيستيريا وتطلق نباحًا قويًا مثل إنذار ألجمه عن المضي في قراره بإنارة المصباح، جعلته يضيء كشاف هاتفه المحمول كي يتبين طريقه في أثر الرائحة التي كانت تزداد قوة كلما اقترب من المطبخ، ليكتشف أن ثمة تسريب في ماسورة الغاز، ويدرك، فجأة، أنه لو كان أضاء أي مصباح قابله في طريقه ولم يستمع لتحذير الكلبة لاشتعل بيته واحترق وأسرته، أو ماتوا خنقًا من الرائحة إن لم توقظه من الأساس.

 

دقدقة كلبة عبد العزيز- بإذن للمنصة

في هدوء، ربما لا يناسب الموقف، أو اقتداءً بشجاعة الحيوان الأليف، بدأ عبد العزيز يتحرك نحو النجاة، ففصل أولًا التيار الكهربائي، ثم عمد إلى إيقاظ زوجته وأبنائه وإخراجهم من البيت قبل أن يتصل بطوارئ الغاز التي حضرت للتعامل مع التسريب.

هدأ كل شيء تقريبًا، بعد أن عادت الأمور إلى طبيعتها، لكن شعورًا أخر غير النجاة من الموت الوشيك استبد برب الأسرة المضطرب؛ لم يكن يتخيل أبدًا أن ذلك الحيوان الذي عارض استضافته بدعوى "نجاسته" سيكون السبب في إنقاذ حياة أسرته بذلك الشكل الدرامي، صحيح أن هناك قدرية تشوب الواقعة التي يتأملها الآن، لأن ابنه لم ينفذ شرطه بإيداع الكلبة الشرفة طوال مدة بقائها في المنزل، وكان يتحين فرصة نوم أبيه فيدخلها إلى الشقة، وأنه لولا ذلك لما اشتمت الرائحة، لكن هذا لا ينقص أبدًا ما أبدته من بطولة ومن جميل ربما سيظل ما تبقى من حياته مدينًا لها به.

الآن، يقول عبد العزيز للمنصة، إن أول ما يفعله لدى عودته إلى المنزل هو الاطمئنان على صديقته؛ هل صحتها جيدة؟ تناولت طعامها بأكمله؟ وهل ضايقها أحد من أبنائه أم حرصوا على اللعب معها كما أوصاهم قبل ذهابه إلى العمل؟

الخل الذكي

ربما يعتقد من يرفض تربية الحيوانات، أنها كائنات لا تمتلك مشاعر تشاركها مع البشر، لكن الإنسان ليس وحده القادر على الشعور، مثلًا، بالسعادة والحزن والألم والخطر الخوف، أو الحاجة إلى الونس، فتلك مشاعر يرى عالم الرياضيات الإسباني وعالم الأنثروبولوجيا بابلو هيريروس، أنها بالغة الأهمية لبقاء الحيوان، ويقول في كتابه الذكاء العاطفي للحيوانات إن الحيوانات تشترك مع البشر في خمس صفات: الشعور بالإنصاف، والرغبة بالانتقام، وحب الأم، إلى جانب القلب الحزين والتعاطف والمواساة.

ومثل عبد العزيز، واجهت منار أحمد، 38 عامًا، المعضلة نفسها، عندما تركت أسرتها في محافظة الشرقية للعيش في القاهرة. لم تكن منار تخشى الوحشة في المدينة الجديدة بقدر فزعها من قطة على السلم تقابلها في نزولها وصعودها إلى السكن الذي كانت تتشاركه مع فتيات أخريات، للحد الذي أجبرت معه على تركه للنجاة بنفسها من كل ذلك الفزع الذي كانت تخوضه يوميًا إن، فقط، مرت بجوار القطة النائمة في سلام دون أن تحتكا في أي من المواقف.

اختارت منار بيتًا جديدًا تسكنه في محيط وسط القاهرة كي تكون قريبة من مقر عملها، غير أن القدر لم يرد أن يبتعد بمصيرها عن القطط، كانت "مارجريت" قطة زميلتها في العمل، محور حديثهما اليومي، وهو حوار كان صعبًا أن تستوعبه منار، تقول للمنصة "مكنتش قادرة أفهم خالص إيه اللي يخليني أربي حيوان، ومش قادرة أستوعب كلامها عنها وعن العلاقة بينهم".

وفي الشقة الجديد، دق بابها في مساء أحد الأيام، ودون سابق إنذار "لقيت صاحبتي واقفة قدامي وبتقولي إنها لازم تسافر تشوف مامتها لأنها تعبانة وهتقعد معاها كام يوم، ومفيش حد ممكن تسيب معاه القطة، وإنه لازم أخليها معايا، ومشيت وسابتها من كتر توترها وخوفها على أمها، مستنتش حتى إني أرد عليها".

ظلت منار ومارجريت واقفتين في المواجهة وبينهما باب الشقة المفتوح ما يزال، وعندما أفاقت من صدمة لم تكن تحسب لها بالًا، قررت الاتصال بصاحبتها تطالبها بالعودة لأخذ قطتها والبحث عن بديل آخر لرعايتها، لكنها لم تتلق منها أي رد "وأنا كل ده واقفة قدام القطة مش عارفة أعمل إيه، طيب هي ممكن تاكل إيه؟ ولا تخربشني أو تعضني، طيب هتعمل حمام أو هتنام فين"، كانت منار أمام خيارين، تقول للمنصة، إما أن تلقي بالقطة إلى الشارع أو تحبسها في البلكونة، لكنها تذكرت رفيقاتها في السكن السابق، كيف كن يطعمن قطة السلم ويتعاملن معها، فاتصلت بإحداهن للمشورة، وعرفت ماذا يمكن أن تقدم لها من الطعام وكيف يمكن أن تجهز لها مكانًا تقضي فيه حاجتها، قبل أن تقرر أنها ستودعها البلكونة حتى تعود مالكتها، لكنها عندما عادت بعلبة التونة وذهبت لتضعها أمام القطة المحبوسة بالشرفة أحزنها منظر الشعور بالبرودة الذي بدا عليه الحيوان المسكين فأدخلتها.

لجملة "وما جزاء الإحسان إلا الإحسان" معنىً مختلف في قصة منار، لم يكن تنتظرها، مثلًا، مكافأة مادية في صباح اليوم التالي على إشفاقها على رفيقتها الجديدة في السكن، على العكس، ذهبت إلى العمل لتجد قرارًا ينتظرها بإيقاف نشاط المكتب الذي كانت تعمل فيه وإغلاقه، لكنها عندما عادت إلى المنزل تحمل صندوق أغراضها وزميلتها الغائبة تعود أمها المريضة، فاجأتها القطة كمن يستقبل غائبًا طال انتظاره وانقضت على الصندوق تتشمم رائحة مالكتها فيها وتلحسه، "لماذا يتعلق الإنسان بالحيوان؟" ذلك سؤال وجدت منار إجابته في ذلك المشهد، وخلال أسبوعين تاليين لم تفارق فيهم المنزل، محاطة بالحزن والشعور بالإخفاق والخوف من المستقبل لم يكن لها غير مارجريت تدعمها.

 

قطط منار- بإذن للمنصة

ويوم بعد آخر، ترى منار القطة تحوم حولها، واتتها الشجاعة أخيرًا في أن تحاول تمسيدها، تقول للمنصة "أول ماحطيت إيدي عليها كنت خايفة جدًا، لكن لقتها جاية تستخبي في حضني، وكأنها بردانة أو خايفة، أنا بدأت أطمن وهي كمان بدأت تتطمن إن في حد معاها وهنا حسيت إن احنا الاتنين محتاجين بعض ومحتاجين نطمن بوجود بعض، اللمسة دي غيرت فيا كتير، وكسرت حاجز الخوف اللي جوايا".

عادت الصديقة الغائبة من السفر لتستعيد قطتها، لكن هذه العلاقة التي استغرقت 14 يومًا، لم تكسر حاجز الخوف عند منار فحسب، بل قلبت حياتها تمامًا، صارت تبحث عبر فيسبوك عن كل دعوة لتبني قطة صغيرة، حتى صار لديها الآن ثماني قطط مثل أولادها، يخوضون الحياة معًا، ويشاركنها أفكارها وحكايتها عقب عودتها كل يوم من عملها الجديد.

في أثر الحب

يرى أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق، الدكتور أحمد عبد الله، أن علاقتنا بالحيوانات سببها أن الإنسان كائن اجتماعي، يبحث دائمًا عن تعويض لحب افتقده أو ولاء يحتاجه في الحيوان، كما أن العادات التي يتشارك الطرفان فيها بشكل دوري مثل الحاجة إلى تناول الطعام يربطهما ببعض، وهو ما حدث مع أسماء زيدان، التي كانت تبحث عن "الحب غير المشروط"، بعد فترة من الحبس على ذمة قضية سياسية وصلت لعامين، ثم الفشل في علاقة عاطفية، لتجد في كلبتها الوفية ما كانت تبحث عنه، تقول للمنصة "كنت بفكر من زمان أجيب كلب بس خوفي من المسؤولية كان بيخليني مترددة، ولما طلعت من السجن وفشلت قصة ارتباطي، حسيت بوحدة أكتر، وقررت وقتها هجيب كلبة، ومن بعد مابقيت فاقدة إحساس إني حد فارق معاه وجودي أو مهتم بيا، لقيته فارق معاها هي".

 

إريا كلبة أسماء- بإذن للمنصة

وجدت أسماء الحب الذي كانت تبحث عنه في كلبتها، وهو ما جعلها تغض الطرف عن نصائح الكثيرين من أصدقائها الذين حذروها من إمكانية نقل الحيوان لفيروس كوفيد-19 مع بداية انتشار الجائحة، حتى أنها اكتشفت تسريح البعض لحيواناتهم خوفًا من انتقال العدوى، لكنها عندما تصادف إصابتها بالفعل بالفيروس من مصدر خارجي، لم تجد بجوارها سوى كلبتها الوفية، كان منطقيًا عند قياس الأمر بالمثل أن تهجرها الكلبة في هذه الحال خوفًا من التقاط العدوى، إن كان الفيروس قابل للانتقال بين الإنسان والحيوان فعلًا، لكن ما حدث أن الكلبة "هي اللي لقتها معايا 24 ساعة، وده مكنش ممكن بني أدم يعمله في العزل، فهي اللي خلتني أطلع من كل اللي أنا فيه سواء نفسيًا أو جسديًا، هي الأولى بحبي لأنها وفية ومخلصة، أنا لو تعبت شوية ممكن محدش يستحملني أو يتضايق مني"، بحسب ما قالته للمنصة.

تشير دراسة نشرت بمجلة أبحاث الطب النفسي، إلى أن تبني حيوان أليف ربما يكون مريحًا لمن يعانون من الاكتئاب الحاد الذي تعتبر نسبة الشفاء فيه ضئيلة ولا يمكن معالجته بسهولة باستخدام الأدوية المضادة للاكتئاب والعلاج النفسي، وقالت الدراسة، إن الذين قاموا برعاية الحيوانات الأليفة طوروا "تقاربًا قويًا وصحبة ساهمت بشكل كبير في تحسن الصحة العقلية".

يؤكد الدكتور أحمد عبد الله للمنصة، أن للحيوانات قدرة على مساعدة البشر في تخطي الأزمات النفسية وعلى رأسها الاكتئاب، ووفقًا لما اختبره من حالات عالجها، فإن الحيوانات الأليفة تساعد كبار السن وكذلك الأطفال على تجاوز المشاعر السلبية وكذلك تعديل السلوك "الأطفال اللي في بيوتهم حيوانات أليفة بيتعلموا أسرع وبتساعدهم الحيوانات على إنهم يكون عندهم قدر من المرونة والتفاعل والقدرة على التواصل، ده بالإضافة إنها بتحسن النوم للكبار والصغيرين".

وتلك الأخيرة قدمت عونًا كبيرًا من خلال تجربة عملية خاضتها إحدى الأمهات مع تربية ابنها.

في الواقع لم تلجئ جيهان عمارة إلى البحث عن حيوان أليف لطفلها، وإنما جرى الأمر صدفة وكاد يفشل بسبب نفور الوالدة من الهامستر الذي حصل عليها ابنها كهدية من صديق للعائلة في عيد ميلاده، تقول للمنصة "في البداية كنت قرفانة منه، ومش فاهمة ليه ممكن أربي فار، وأول مرة كنت أعرف إيه هو الهامستر أو شكله أصلا، ومرضتش أحرج الضيف وخدته، لحد مشوف هعمل فيه إيه، وكان في تخيلي إنه هرميه".

 

مليجي الهامستر- بإذن للمنصة

لكن ابن جيلان تعلق بهديته الجديدة، ومنحه اسمًا هو مليجي، ليدخلا معًا في علاقة صداقة أنقذت الطفل من إدمانه على مشاهدة التلفاز لساعات طويلة كانت تعزله عن العالم من حوله.

كان الولد الصغير يجلس صحبة مليجي فيحكي له قصصًا ويعد له الطعام لكنه أضاف إلى جدوله اليومي وإلى سلوكه أيضًا أشياء كثيرة جديدة، تقول أمه "الحقيقة مكنش بعرف أقوم الولد من قدام الكارتون، طول اليوم وخناق وزعيق وأنا عارفة أضراره، لحد ما جه مليجي، وبقى مركز معاه طول الوقت، وبدأ كمان يتكلم معانا عنه، بعد مكان مش بيكلمنا أصلا، وده خلاني أنا وباباه نحس إن وجوده فرق مع الولد، وإنه هو أحسن من توحده مع التليفزيون والكارتون".


اقرأ أيضًا: الريجيم يواجه المحفظة: كيف تمنعنا قرارات الرئيس من الاستجابة لنصائحه؟

 

تصوير: حي مالك

لا تقف قدرة الحيوان على مساعدة الإنسان على تجاوز الأمراض النفسية، ولكن صارت تمتد إلى تدريب بعضهم للتعامل مع مرضى القلب والسرطان،أو ما يعرف بـ"برنامج العلاج بالحيوانات المساعدة"، الذي يعتمد على حضور الحيوان الأليف لجلسات العلاج أو الكشف بجوار المريض، أو يتم اصطحابها لقضاء بعض الوقت مع كبار السن في دور الرعايا، كما يمكن لتلك الحيوانات أن تساعد الأطفال ممن يعانون من صعوبات في التعلم، والآن لم يعد مليجي صديقًا لابن جيلان فحسب بل صار هو نفسه فردًا من العائلة.