IMDB
مشهد من فيلم المومياء - يوم أن تحصى السنين.

يوم أن تُحصى السنين

ذلك التاريخ الذى تنوء به الذاكرة والضمير

منشور الخميس 23 مارس 2023 - آخر تحديث الخميس 23 مارس 2023

***

في هذا المشهد  بالذات من فيلم المومياء (يوم أن تحصى السنين)، طرح شادي عبد السلام ذروة أسئلته ومكمنها، من داخل ذلك العمل السينمائي العظيم الذي قدمه عام 1969 بإنتاج ضخم من المؤسسة العامة للسينما التابعة للدولة المصرية.

فيلم المومياء، في ظن الكثيرين ممن أثق في ذائقتهم، هو أحد المحاولات النادرة لنحت لغة سينمائية مصرية. وإذا كان فيلم الأرض ليوسف شاهين هو الشريط السينمائي المكتمل لرواية الحركة الوطنية المصرية عن منبعها، ففيلم المومياء هو الدرة الفنية لتلك السينما، تختال بنفسها وهي تطرح سؤال الامتداد الحضاري المصري وجذوره.

أسئلة التاريخ بقلق ورهافة

كان شادي عبد السلام ابنًا لذروة الحركة الوطنية المصرية في زمن حصادها حيث "جمهورية" ما بعد "الاستقلال"، وقت ظن البعض أن البلد صار سيدًا على مصيره، وقادرًا على إطلاق مشاريع حداثته بدون وصاية استعمارية.

ومثلما حاول أبو بكر خيرت وعزيز الشوان وجمال عبد الرحيم، وآخرون، صناعة موسيقى كلاسيكية مصرية استوحت مقطوعاتها من التراث السماعي الشعبي ونهلت منه، حاول شادي عبد السلام صناعة سينما "عالمية" من داخل عالم  مُجدِب على هامش الوادي، يعيش على جيفة حضارة غابرة، طارحًا من داخله،  بمنتهى الحذر والانضباط والجدية، أسئلة مهمومة عن علاقتنا بقدماء المصريين.

هل نحن أحفاد هؤلاء الذين شيدوا تلك القصور ورسموا تلك التصاوير؟ ما صلتنا بهم لو كان هناك ثمة صلة؟ وهل لهذه الصلة، إن وجدت، أن تمتد بعد أن صاروا مجرد تماثيل لرجال تسير إلى اللا مكان، سفنهم ترحل إلى اللا مكان، وأعمدتهم لا ترفع سقفًا.

كان شادى عبد السلام متفائلًا بشأن الأحفاد، ربما إلى حدود السذاجة وما بعدها

شادي عبد السلام مثقف حداثي، يدرك انقطاع أغلب الصلات المادية بين مجتمعاتنا المعاصرة والحضارة القديمة التي كانت على أرض ذلك الوادي العجوز. لكنه في الوقت نفسه كان مشدوهًا بـ"أجداده" شدهًا مملوءًا بالإجلال والمهابة، يحمل ترجيًا إيمانيًا في وصل ما انقطع معهم، حتى ولو بنحت وجوه أبطال فيلمه لتماثل وجوه الأقدمين، لتبدو وكأنها تماثيل فرعونية ناطقة.

كان شادي أيضا ابنًا وفيًا للمشروع الوطني المصري حين اشتبك مع حرب أكتوبر، فصنع فيلمًا تسجيليًا مميزًا  أسماه جنود الشمس. وعلى الرغم من أن معظم أعماله وسمها حوزًا فرعونيًا، كالفلاح الفصيح وكرسي توت عنخ آمون الذهبي والأهرامات وما قبلها، وأعمال أخرى، فإنه لم يكن مثقفًا ماضويًا، أو أسيرًا للحنين.

فمن داخل عالم فيلم المومياء، حيث اليوم الذي ستحصى فيه السنين، راهن شادي على الحداثة والمستقبل  وأبنائهم، وعلى انتفاضة الشباب ضد إرث آبائهم العفن، وعلى رفضهم عيش الضباع وكسب المال من نبش جثث من يسميهم أفندية القاهرة أجدادًا. حتى ولو كلفهم ذلك حياتهم وسلطتهم ومغانمها.

أهذا عيشنا ؟ .. هذا عيش الضباع

ضحى ونيس، بطل الفيلم، ومن قبله أخيه الأكبر الذي لعنت أمه اسمه حين رفض عيش الضباع، كل منهما على طريقته، ورفض كليهما حمل الذنوب. الأول ضحى بزعامته وثروته، والثاني ضحى بحياته. رفض كلاهما إرث أبيهم الشيخ سليم، سيد قبيلة الحربات وحامل سر الدفينة والمؤتمن على خبيئة مومياوات الدير البحري وكنوزها.

أما أولاد عمومتهم، الذين بدوا طوال الفيلم شخصيات جشعة مستعدة للتفريط والمساومة، فسيشقون عصا الطاعة فى وجه الشيوخ، وسيعرضون في النهاية عن مهاجمة موكب المومياوات بينما كان متوجهًا إلى القاهرة، رافضين هم أيضًا عيش الضباع والكسب من ثمن بيع الكنوز المنتزعة من جثث الموتى.

كان شادى عبد السلام متفائلًا بشأن الأحفاد، ربما إلى حدود السذاجة وما بعدها. وربما نجاه الموت من مشاهدة موكب آخر للمومياوات، محمولة على سيارات جهاز الأمن المركزي المتنكرة في زي فرعوني، في احتفال  طغياني "رع مسيسي" الطابع. بينما في اللحظة ذاتها كانت مومياوات أخرى، غير محنطة، تملأ ثلاجات المستشفيات العامة جرّاء وباء الكورونا، أعداد لم تحصِها السنين حتى الآن.

عظمة تنوء بها الذاكرة

تأسست علاقة المصريين الحاليين بقدمائهم في سياق أذلهم فيه الاحتلال البريطاني، ومن قبله المستكشفون الأوروبيون، بجهلهم. قالوا لهم نحن من عرفناكم قيمة من كنتم تنبشون قبورهم، لستم أحفادهم، كانوا عظماء وأنتم حفاة عراة متخلفين، أنتم مدينون لنا بما تسمونه الآن تاريخكم ذي الستة آلاف سنة.

قالوا لهم نحن من فك رموز الطلاسم وقرأ  كتابات الأحجار، نحن من عرفناكم أنها آثار وحضارة وليست أصنام ومساخيط، أنتم أحط من أن تنسبوا أنفسكم إلى الذين شيدوا معابد طيبة وهياكل ممفيس، حتى أن الباشا ولي نعمتكم أراد في لحظة طغيان استكمال بناء القناطر الخيرية بأحجار الأهرامات. أي استقلال تطالبون به يا من جهلتهم الحضارة التي تعيشون على أطلالها، لستم أحفادها بالطبع يا أولاد العرب.

أصبح المجد الغابر أثقالًا لا دوافع، حتى أن البعض منّا استخدموا تلك العلاقة المأزومة كمطية لبث المزيد من القنوط

عرفنا "وطنيتنا المصرية الحديثة" بينما ذلك الجدل المحتقن جزء رئيسي في تشكيل أركان تصوراتنا عن الذات، قدماؤنا مذلة لنا، جل ما نبتغيه تجاههم هو إثبات نسبنا إليهم. نقف في أغلب فترات تاريخنا الحديث عاجزين أمام ما أنجزوه من خارق بمعايير زمانهم. أغرقونا في عظمة ماضيهم فأمعنت وطنيتنا الحديثة في غي التاريخ وأثقال العظمة.

أصبح المجد الغابر أثقالًا لا دوافع، حتى أن بعض المعاصرين منّا استخدموا تلك العلاقة المأزومة كمطية لبث المزيد من القنوط واليأس في حاضرنا ومستقبلنا: لن نكون أبدًا مثل الأجداد ولنكتفي إذن بالفخر والأناشيد والإيمان بأن مصر بلد هيدروليكي، وسكان الوديان سهلو المعشر والانقياد، ومصيركم الفرعون، فلا تسألوا حكامكم عمّا يسلكوه من أفعال إن تبد لكم تسؤكم.

سيد درويش وبديع خيرى كانا، مثل شادي عبد السلام، متطلعين للمستقبل، يريدان من الماضي دفعة من كرامة ومروءة. وفي لحظة ثورة 1919 غنى سيد درويش أغنية قوم يا مصري من كلمات بديع خيرى:

شوف جدودك في قبورهم ليل نهار.. من جمودك كل عضمة بتستجار

صون آثارك ياللي دنست الآثار.. دول سابولك مجد وأنت فوتّ عار

وفي 2011، لم يهتف المصريون لفراعنتهم القدماء أو للملك خفرع جد الكل حبيب الكل، بل هتفوا ارفع راسك فوق أنت مصري. تطلعوا إلى المستقبل وتخلصوا من الحنين، ففي زمن الثورات والتأسيس، لا يحضر الماضي العظيم إلا ندًا.

يقف رمسيس الثاني أمامك، لا لكي ترى تعامد الشمس على وجهه، بل لتعلن نهاية فرعنته. تعفو أنت عنه وتحافظ على اسمه ولا تمحو خراطيشه. تُعلن أن العام الجديد رقمه صفر، وأن التاريخ ربما يبدأ من ميلاد ثورتك، لا ميلاد المسيح. فعلها الفرنسيون في أواخر القرن الثامن عشر وهم في نشوة بدايات ثورتهم، صحيح أن ثورتهم الأولى هُزمت في حينها، لكننا تعلمنا منها أن تغيير التقويم أمر ممكن.

في سنين كؤود، ثقيلة ومذلة، ظهر من أولاد العرب من يدعون أنفسهم فراعنة أو كيميتيون، ينسبون أنفسهم إلى الأجداد، للسادة الفراعنة منهم تحديدًا. نسبٌ لو صح سهمه وانطلق فى عباب التاريخ، سيصيب على الأغلب ظهر فلاح محني وجهه في الأرض يزرعها، يستر عورته بالكاد، مات دون الحصول على خبيئة دفن لائقة، ولا تحويجة تحنيط كانت حصرية لسادته الأغنياء. فهامت روحه في عذاب أليم، امتد حتى أمسكت الروح بجسد حفيده ذلك بعد آلاف السنين، حفيده الذي ينبش في القبور بحثًا عن هوية تنجيه من عروبة لا نجاة منها.

وبينما هذا الحفيد غارق في بحثه عن أجداده، لا يستخدم من المعاني إلا أقبح ما أورثته العرب من جاهليتها؛ الثأر والحماسة والفخر بالأنساب وبكاء الأطلال.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.